فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 295

يغطي رأسه تواضعا لله عز وجل حتى عرف بذلك. وصلنا إلى منزله، فأعلمنا أنه خرج للبرية سائحا.

وبهذه البلدة كثير من أهل الخير، وأهلها هينون معتدلون، محبون للغرباء مؤثرون للفقراء. وأهل هذه البلاد، من الموصل لديار بكر وديار ربيعة إلى الشام، على هذا السبيل من حب الغرباء وإكرام الفقراء، وأهل قراها كذلك. فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا، لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة. وشأن أهل هذه الجهات في هذا السبيل عجيب، والله ينفعهم بما هم عليه. وأما عبادهم وزهادهم والسائحون في الجبال منهم فأكثر من أن يقيدهم الإحصاء، والله ينفع المسلمين ببركاتهم وصوالح دعواتهم، بمنه وكرمه.

لهذه البلدة المذكورة أسواق حفيلة الانتظام، عجيبة الترتيب، مسقفة كلها بالخشب. فلا يزال أهلها في ظل ممدود، فتخترقها كأنك تخترق دارا كبيرة الشوارع، قد بني عند كل ملتقى أربع سكك أسواق، منها قبة عظيمة مرفوعة مصنوعة من الجص هي كالمفرق لتلك السكك. ويتصل بهذه الأسواق جامعها المكرم، وهو عتيق مجدد قد جاء على غاية الحسن. وله صحن كبير، فيه ثلاث قباب مرتفعة على سوار رخام، وتحت كل قبة بئر عذبة. وفي الصحن أيضا قبة رابعة عظيمة قد قامت على سوار من الرخام، دور كل سارية تسعة أشبار، وفي وسط القبة عمود من الرخام عظيم الجرم، دوره خمسة عشر شبرا.

وهذه القبة من بنيان الروم، وأعلاها مجوف كأنه البرج المشيد، يقال: إنه كان مخزنا لعدتهم الحربية، والله أعلم. والجامع المكرم سقف بجوائز (1) الخشب والحنايا. وخشبه عظام طوال لسعة البلاط، وسعته خمس عشرة خطوة، وهو خمسة أبلطة، وما رأينا جامعا أوسع حنايا منه. وجداره المتصل بالصحن، الذي عليه المدخل إليه، مفتح كله أبوابا، عددها تسعة عشر بابا: تسعة يمينا، وتسعة شمالا، والتاسع عشر منها باب عظيم وسط هذه الأبواب، يمسك قوسه من أعلى الجدار إلى أسفله، بهي المنظر، جميل الوضع، كأنه باب من أبواب المدن الكبار. ولهذه الأبواب كلها أغلاق من الخشب

(1) الجوائز (جمع جائز) : الخشب المعترض بين حائطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت