فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 295

والديوان قد غص بالزحام. فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وما جل، واختلط بعضها ببعض، وأدخلت الأيدي إلى أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك، هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا. وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك. وهذه لا محالة من الأمور الملبّس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، ولو علم بذلك ـ على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق ـ لأزال ذلك، وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ببلاد هذا الرجل، ما يلم به قبيح لبعض الذكر، سوى هذه الأحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.

ذكر بعض أخبار الإسكندرية وآثارها

فأول ذلك حسن وضع البلد واتساع مبانيه، حتى إنا ما شاهدنا بلدا أوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه، وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا. ومن العجب في وصفه أن بناءه تحت الأرض كبنائه فوقها وأعتق وأمتن، لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا. وعاينا فيها أيضا، من سواري الرخام وألواحه كثرة وعلوا واتساعا وحسنا، ما لا يتخيل بالوهم، حتى إنك تلفي في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا، لا يدرى ما معناه ولا لم كان أصل وضعها. وذكر لنا أنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة، ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان ـ والله أعلم ـ ويشبه أن يكون ذلك للرصد.

ومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله، عز وجل، على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلا. ومبناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يزاحم الجو سموا وارتفاعا، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت