فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 295

الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع. ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا، ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة. وأما داخله فمرأى هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن، حتى إن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضلّ. وبالجملة لا يحصّلها القول، والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه. وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، وطلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المؤرخ، وصلينا في المسجد المبارك المذكور. وشاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف.

مآثر صلاح الدين

من مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه ومدرّسا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه وإجراء يقوم به في جميع أحواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين، حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، ونصب لهم مارستانا (1) لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم، وتحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب أيضا فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، وينهون إلى الأطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم.

ومن أشرف هذه المقاصد أيضا أن السلطان عين لأبناء السبيل من المغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغا ما بلغوا، ونصب لتفريق ذلك كل يوم إنسانا أمينا من قبله. فقد ينتهي في اليوم ألفي خبزة أو أزيد، بحسب القلة والكثرة، وهكذا دائما. ولهذا كله أوقاف من قبله حاشا ما عينه من زكاة العين لذلك. وأكد على المتولين لذلك

(1) المارستان: معربة عن بيمارستان (الفارسية) وهي مؤلفة من كلمتين ومعناها: دار المرضى، المستشفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت