فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 295

أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك، ويحج به ميتا. فسيق إلى عرفات ووقف به على بعد، وكشف عن التابوت، فلما أفاض الناس أفيض به، وقضيت له المناسك كلها، وطيف به طواف الإفاضة. وكان الرجل، رحمه الله، لم يحج في حياته. ثم حمل إلى مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم. وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة. وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله، لسابق أفعاله الكريمة. ودفن في تلك الروضة، وأسعده الله بالجوار الكريم، وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم، والله لا يضيع أجر المحسنين. وسنذكر تاريخ وفاته، إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته، إن شاء الله عزّ وجلّ، وهو ولي التيسير، لا رب غيره.

ولهذا الرجل، رحمه الله، من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويستغرق الثناء ويستصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء، وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق إلى الشام إلى الحجاز، حسبما نذكره؛ واستنبط المياه، وبنى الجباب؛ واختط المنازل في المفازات، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وجميع المسافرين؛ وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عيّنها لنزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية؛ وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم، وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم. فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها إلى الآن. فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرّفاق، وملئت ثناء عليه الآفاق.

وكان مدة حياته بالموصل، على ما أخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى (1) من الغرباء فيعمهم شبعا وريا، ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيئا، لم يزل على ذلك مدة حياته، رحمه الله. فبقيت آثاره مخلدة، وأخباره بألسنة

(1) الجفلى (بفتح الفاء) : الدعوة العامة إلى الطعام، وضدها: النقرى، وهي الدعوة الخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت