فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 295

الذكر مجددة، وقضى حميدا سعيدا، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية، ومدة من العمر ثانية. والله الكفيل بجزاء المحسنين إلى عباده، فهو أكرم الكرماء، وأكفل الكفلاء.

ومن الأمور المحظورة في هذا الحرم الشريف، زاده الله تعظيما وتكريما، أن النفقة فيه ممنوعة، لا يجد من ذوي اليسار إليها سبيلا في تجديد بناء أو إقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك. ولو كان الأمر مباحا في ذلك، لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة (1) حيطانه عسجدا وترابه عنبرا، لكنهم لا يجدون السبيل إلى ذلك. فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا إلى تجديد أثر من آثاره، أو إقامة رسم كريم من رسومه، أخذ إذن الخليفة في ذلك. فإن كان مما ينقش عليه أو يرسم فيه، طرّز باسم الخليفة ونفّذ أمره بعمله، ولم يذكر اسم المتولي لذلك. ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لأمير البلد، ربما يوازي قدر المنفوق فيه. فتضاعف المؤونة على صاحبه، وحينئذ يصل إلى غرضه من ذلك.

ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم، ذوي الملك والثراء، أنه وصل إلى الحرم الكريم، مدة جدّ هذا الأمير مكثر، فرأى تنور بئر زمزم وقبتها على صفة لم يرضها. فاجتمع بالأمير، وقال: أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبته، وأبلغ في ذلك الغاية الممكنة، وأنفق من صميم مالي، ولك علي في ذلك شرط أبلغ بالتزامه لك الغرض المقصود، وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك، فإذا استوفى البناء التمام، وانتهت النفقة منتهاها، وتحصلت محصاة، بذلت لك مثلها جزاء على إباحتك لي ذلك.

فاهتز الأمير طمعا، وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي إلى آلاف من الدنانير، على الصفة التي وصفها له، فأباح له ذلك، وألزمه مقيدا يحصي قليل الإنفاق وكثيره. وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع وتأنق وبذل المجهود، فعل من يقصد بفعله ذات الله عز وجل ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسود طواميره بالتقييد، والأمير يتطلع إلى ما لديه، ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه، إلى أن فرغ البناء على الصفة التي تقدم ذكرها أولا عند ذكر بئر زمزم وقبته، فلما لم يبق إلا أن يصبح

(1) الجدة (بكسر الجيم وفتح الدال) : الغنى واليسار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت