فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 573

الجزيرة العربية، ويقال إنه أشد من ذلك في الجنوب، وفى المناطق القريبة من مناطق إنتاج البن.

على الطريق الذى يبدأ من شداد، والذى يمتد بطول السهول المنخفضة، فيما بين الجبال الحارة، فاجأتنا زخة من زخات المطر العاتية والمصحوبة بالبرد، الأمر الذى أجبرنا على التوقف، وما هى إلا فترة قصيرة حتى انهمر الماء نازلا على شكل سيول من الجبال، وعندما توقف سقوط المطر، بعد حوالى ساعة تقريبا، اكتشفنا أن المطر الذى كان لا يزال مستمرا، كان قد غطى وادى النومان بصفحة من الماء عمقها ثلاثة أقدام، في حين كانت هناك أنهار تعذر معها عبور الطريق في بعض مواقعه. في مواجهة المواقف التى من هذا القبيل كان يتعذر علينا التقدم أو التراجع، إدراكا منا أن تيارات ومجار مماثلة قد تكونت من خلفنا، وهنا اتخذنا لأنفسنا موقعا على جانب الجبل، إيمانا منا بأن الماء لن يجرفنا من هذا المكان، كما نستطيع البقاء فيه إلى أن تمر العاصفة. ومع ذلك، بدأت المياه تتساقط من كل جوانب الجبال ووصل الأمر إلى حد حدوث فيضان عام، كل ذلك والمطر المصحوب بالرعد والبرق مستمر بعنف لا ينتهى. شاهدت القاضى، الذى غادر شداد بعدنا، من على بعد، يفصله عن جماعتنا سيل عميق، في حين اضطرت بعض نسائه اللاتى كن يركبن البغال إلى البقاء بعيدات عنه بمسافة كبيرة. بقينا في ذلك الوضع السيئ مدة ثلاث ساعات، توقف المطر بعدها وسرعان ما انحسرت السيول، لكن كان من الصعب على حميرنا المشى في أرض زلقة يغطيها الماء، الأمر الذى اضطرنا إلى النزول من فوق الحمير ورحنا نسوقها أمامنا، إلى أن وصلنا أرضا أكثر ارتفاعا. كان القاضى وجماعته مضطرين على فعل الشئ نفسه. عندئذ دخل علينا الليل، وغلفتنا السماء الملبدة بالسحب بظلام دامس، لكنه بعد مسير مغامر استمر ثلاث ساعات أو أربع، كنا خلالها نتعثر في كل خطوة، وصلنا أخيرا إلى مقاهى عرفات، الأمر الذى جعل رفاقى يتنفسون الصعداء، هؤلاء الجنود الذين كانوا يخشون على أكياس نقودهم من السطو واللصوص. أنا بنفسى لم أكن أقل منهم سعادة، إذ كنت بحاجة إلى إشعال النار بعد أن تشبعت ملابسى بالماء بفعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت