فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 573

المطر، وبخاصة أنى لم أكن أرتدى سوى ملابس الإحرام. من سوء الطالع أن المقاهى كان الفيضان قد جرفها، ولم نجد في تلك المقاهى مكانا جافا نجلس فيه، وبصعوبة استطعنا إشعال نار في واحد من تلك الأكواخ المضادة للحريق، ودخل القاضى هو وبعض رجاله وأنا معهم إلى ذلك الكوخ، وشربنا شيئا من القهوة، وفى كوخ من الأكواخ الأخرى كانت نساء القاضى يصحن من قسوة البرد وشدته. ولما كان القاضى لا يريد لنسائه أن تعانين من شدة البرد، فقد آثر الركوب من جديد، بعد استراحة دامت نصف الساعة، وواصل سيره في اتجاه مكة تاركا إياى أنا وأصحابى حول النار، التى حاولنا، بعد مضى شئ من الوقت، أن ننال قسطا من الراحة حولها.

اليوم التاسع من شهر سبتمبر. بدأنا التحرك في ساعة مبكرة، واكتشفنا أن عاصفة الأمس لم تمتد إلى ما هو أبعد من جبل عرفات، العواصف والفيضانات والسيول التى من هذا القبيل أمر متكرر الحدوث في هذه الأماكن، التى تبدو فصول العام فيها غير منتظمة، على العكس منها في أماكن أخرى تقع في نفس دوائر العرض. بلغنى أن موسم الأمطار في الجبال العليا هو أكثر انتظاما منه في الأراضى المنخفضة في كل من مكة وجدة، اللتان تكون السماء فيهما في منتصف فصل الصيف ملبدة بالغيوم في معظم الأحيان بفعل العواصف والأمطار. سجل مؤرخو مكة سيولا وفيضانات مخيفة في مدينة مكة، وأخطر تلك الفيضانات والسيول حدث في الأعوام الهجرية 80، 184، 202، 280، 297، 549، 620، 802، 829 في بعض تلك الفيضانات والسيول غرقت مكة والكعبة في الماء الذى لامس ارتفاعه الحجر الأسود، كما دمرت هذه السيول كثيرا من المنازل وأزهقت أرواحا كثيرة. هذا هو العصمى المؤرخ يورد تفاصيل واحد من تلك السيول الذى دمر مكة في العام 1039 الهجرى، أو في العام 1626، يوم أن تسببت السيول في إزهاق أرواح خمسمائة نسمة، وأسفرت عن تدمير الكعبة. حدث سيل مخيف آخر في العام 1672.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت