فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 573

عن ظهر قلب، الأمر الذى جعلنى أستغنى عن خدماته في هذا الشأن. كان الرجل يجلس دوما معى لتناول الغداء، وكان يحضر معه سلة صغيرة كان يطلب إلى خادمى أن يملأها بالبسكويت واللحم، والخضروات أو الفاكهة ويأخذها معه عند الانصراف. وكان يطلب منى كل ثلاثة أيام أو أربعة شيئا من النقود: كان يقول لى: «أنت لم تعطنى شيئا، وإنما الذى أعطانى هو الله سبحانه وتعالى» . وعند ما وجدت أنى عاجز عن إيجاد طريقة مناسبة للتخلص من هذا المطوف، قلت له بمنتهى الصراحة إنى لا أريد بعد شيئا من خدماته، وتلك لغة لم يعتدها الدليل أو المطوف المكى، وبعد ثلاثة أيام عاد إلىّ ذلك المطوف وكأن شيئا لم يكن، وطلب منى دولارا. رددت عليه قائلا: «الله لم يحثنى أو يحركنى كى أعطيك شيئا، لو كان الله سبحانه وتعالى يجد ذلك حقا، لرقق قلبى تجاهك ولدفعنى إلى إعطائك حافظة نقودى كلها» . قال متعجبا: «أندف ذقنى، إذا لم يرزقك الله فيما بعد بعشرة أمثال ما ستعطينى إياه حاليا» . ورددت عليه أنا بدورى قائلا: «أندف كل شعرة من شعرى إن أعطيتك بارة واحدة دون اقتناع منى بأن الله سيجعلها عملا من أعمال إحسانى» . وعند ما سمع المطوف ذلك منى هب واقفا وانصرف وهو يقول: «نحن نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى من قلوب المتكبرين، ومن أيدى البخلاء والمقترين» . هؤلاء المطوفين لا يقولون عشر كلمات دون أن يذكروا اسم الله سبحانه وتعالى أو اسم محمد صلى الله عليه وسلم، تراهم دوما ممسكين بالمسابح في أيديهم، وتراهم أيضا يتمتمون بالدعاء حتى أثناء الحوار. شخصية المطوف هذه تنطبق على أهل مكة بصفة عامة، إلى حد أنهم عندما يكونون في القاهرة يستعملون المثل التالى في التعبير عن انتهازية الشحاذ البذئ: «أنت مثل المكى، تقول: «أعطنى، وأنا سيدك» .

كنت بحاجة إلى دليل (مطوف) واضطررت بعد ذلك إلى استخدام رجل مسن من أصل تتارى، توصلت معه، منذ البداية، إلى اتفاق، كنت راضيا عنه تماما. وصل إجمالى ما دفعته في مكة للمطوفين، وفى أماكن الزيارة ما يقرب من ثلاثمائة وخمسين قرشا، أى ثلاثين دولارا، لكنى لم أقدم أية هدايا للمسجد أو لأى من العاملين فيه، لأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت