فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 573

أى ركن من أركان مكة، ينظر المكيون إلى ذلك كله باعتباره معجزات حقيقية من عند الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المعجزات تؤكد صدق ما ورد في المقطوعة القرآنية (المأخوذة من السورة رقم 106) والتى تقول: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) (3) (الكعبة) (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (4) ». لكن المكيين ينسون الرجوع إلى تاريخهم، الذى يأتى على ذكر كثير من المجاعات المخيفة والمعارك الطاحنة، التى وقعت في ذلك المكان المقدس. واقع الأمر أن الحجاز عانى من المجاعات أكثر من أى مكان آخر من البلاد الشرقية. المؤرخون عندهم الكثير من الأوصاف لتلك الأحداث المؤلمة، وسوف آتى على ذكر واحدة من تلك المجاعات، وبخاصة تلك التى وقعت في العام الميلادى 1664، يروى العصمى أن الناس في ذلك العام باعوا أطفالهم في مكة نظير مكيال واحد من القمح، وأنه عندما كان في جدة، كان الناس يتغذون على اللحم البشرى.

حكى لى أحد المكيين، أنه بعد أن قرر أن يغادر مكة، نتيجة لعدم وصول الحجاج الأتراك، ظهر له ملك في المنام في الليلة السابقة للرحيل. كان الملك يحمل سيفا مشتعلا في يده وكان يقف على بوابة مكة، التى كان الحاكم على وشك المرور خلالها مغادرا المدينة، وقال الملك متعجبا: «ابق أيها الكافر! سيأكل المكيون عسلا في حين يرضى بقية أهل الأرض بالخبز وحده!» وتأسيسا على هذه الرؤيا، تخلى الرجل عن مشروع الرحيل عن المدينة، وواصل عيشه فيها.

أدب المكيين الظاهرى يتفق مع أمانتهم، مع عقيدتهم وإيمانهم الصادق، والتزامهم بدينهم، واتباعهم لتعاليمه. كثير من أهل مكة، وبخاصة أولئك الذين ليست لهم مصلحة خاصة في التطفل على الحجاج عن طريق الالتزام الظاهرى الصارم، يتراخون في اتباع الشكليات الدينية ومراعاتها، اعتقادا منهم أنهم يكفيهم أنهم مكيون، وأنهم ينادون بمفاهيم الدين على الملأ، أو من باب أن الفرض الصارم لأحكام الدين على الزائرين الأجانب ليس أمرا ملزما لأولئك الذين يزورون مكة مرة واحدة في حياتهم. أهل مكة، شأنهم شأن البدو، لا يداوم الكثيرون منهم على الصلاة، أو لا يصلون على الإطلاق. في صلاة الجمعة، التى يتعين على كل مسلم مقيم في مكة أداؤها، ترى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت