فهرس الكتاب
قبل مجئ الوهابيين، وعند ما كان السكان يتقاتلون قتالا دمويا فيما بينهم، كانوا يمشون وكل واحد منهم مسلح بجنبيه، أو بالأحرى سكين أو خنجر عربى معقوف، أما الآن فلا يوجد سوى قلة قليلة من هؤلاء الناس، لكن كل واحد منهم، من أعلاهم إلى أدناهم يحمل في يده عصا طويلة ثقيلة. والأثرياء من الناس يصنعون لعصيهم رءوسا من الفضة، بعض آخر من الناس يجعلون لتلك العصى أسنانا من حديد، وبذلك يحولون العصا إلى سلاح رهيب، يستخدمه العرب بمهارة فائقة. النساء في المدينة المنورة يرتدين ملابس مثل ملابس النساء في مكة، والطبقات الدنيا ترتدى ملابس زرقاء اللون، أما الطبقات العليا فيرتدين ملايات من الحرير.
البدو المستقرين في ضواحى المدينة المنورة أو في المدينة نفسها يلبسون ألبسة مثل تلك الألبسة التى يرتديها البدو في الصحراء السورية؛ قميص، وعباءة، وكيسيه على الرأس، وحزام من الجلد، معلق فيه سكين ونعله في القدمين.
يضاف إلى ذلك أن الذين استوطنوا المدينة المنورة أصبحوا يشكلون عرقا متميزا، وبالتالى فهم لا يخالطون بقية أهل المدينة. وهم لا يزالون يحتفظون بلباسهم الوطنى، ولغتهم الوطنية، وعاداتهم الوطنية، ويحيون في منازلهم كما لو كانوا يعيشون في خيام في الصحراء، وربما كان بدو الجزيرة العربية، دونا عن سائر أمم الشرق كلها، هم أولئك الذين يتخلون عن عاداتهم الوطنية في شئ كثير من التردد. ونحن نشاهد في كل من سوريا ومصر، وكذلك في الحجاز، مستوطنات تحول أهلها إلى زرّاع منذ قرون مضت، ومع ذلك، لم يكتسب هؤلاء السكان سوى القليل جدا من عادات الفلاحين وتقاليدهم، ولا يزالون يتفاخرون بأصلهم البدوى وسلوكياتهم البدوية أيضا.
أهل المدينة المنورة ليس لديهم سبل لكسب العيش مثل المكيين. وعلى الرغم من أن هذه المدينة لا تخلو مطلقا من الحجاج الأجانب، فإن تدفقهم ليس بالقدر الذى يجعل مكة مزدحمة بالسكان طوال أشهر عدة من العام الواحد، الأمر الذى يجعل منها سوقا لكل بلاد الشرق. الحجاج الذين يأتون إلى المدينة المنورة يندر أن يكونوا تجارا، أو إنهم لا يذهبون إلى المدينة المنورة للتجارة في أضعف الأحوال، وبالتالى