فهرس الكتاب
شكلا من أشكال التجارة من ناحية وضرورة إمساك دفاتر بصورة مستمرة مع الشركاء، ومراقبتهم بصورة مستمرة. الربا سائد هنا بين الناس، ويجرى في القاهرة دفع نسبة أرباح سنوية تتردد بين ثلاثين في المائة وخمسين في المائة، لكن قلة قليلة من التجار الأتراك هم الذين يلجأون إلى مثل هذه الممارسات، التى ينظر الناس إليها على أنها من الأعمال المشينة. والربا هنا يكاد يكون مقصورا على اليهود، وعلى المسيحيين المنبوذين من أوروبا، وربما كان السبب الوحيد، وراء الحال المؤسف للمجتمع الشرقى في الوقت الحالى، والذى له تأثير كبير على عقول الناس وعلى سعادتهم، يتمثل في اضطرار هؤلاء الناس إلى الاستمرار في حيواتهم العملية العامرة بالمؤامرات وبالفرص أيضا. يزاد على ذلك أن الآمال التى تحدو المواطن الأوروبى، وتطلعه إلى التمتع في كبره بعائد الجهود التى بذلها في مطلع حياته، كل ذلك غير معروف للمواطن الشرقى، الذى لا يجلب عليه تقاعده سوى الخطر، الناجم عن ظهوره كرجل ثرى في عينى الحاكم الجشع، والمعروف أن النفوذ والتأثير المزدوج لكل من الحكومة التركية والدين الإسلامى هما اللذان أديا إلى هذا النفاق العام، الأمر الذى يندر معه وجود مسلم واحد (الذى يوحى مظهره الهادئ ـ وهو يدخن غليونه متكئا على الأريكة ـ لمن يراه بأنه راض تماما وغير مبال) لا يعانى من آلام الحسد والحقد، والجشع، والطموح، أو الخوف من ضياع ثروته التى حصل عليها بطريق غير سوى.
الرحالة الذين يمرون بالشرق مر الكرام، دون أن يعرفوا اللغة، ودون الاختلاط إلا بأولئك الذين لا يهمهم سوى منح الشخصية أو الطابع الحقيقى، ينخدعون دوما بأبهة الأتراك، وسلوكياتهم الأبدية، وخطبهم المحكمة، على الرغم من أن احتقارهم وسخريتهم من ذلك الفرنسى الذى يتظاهر بعد الإقامة أشهرا قلائل في إنجلترا، وبعد جهله الكامل باللغة الإنجليزية، بأنه يعرف الشخصية الإنجليزية والدستور الإنجليزى أيضا، متناسيا أن من السهل جدا على أى فرنسى الحكم على أية أمة من الأمم الأوروبية المجاورة له، لكن يصعب على مثل هذا الأوروبى الحكم على الأمم الشرقية، التى تختلف سلوكياتها، وأفكارها، وآرائها، عن سلوكياته، وأفكاره، وآرائه الأوروبية.