فهرس الكتاب
أما فيما يخصنى أنا شخصيا، فإن مقامى الطويل بين الأتراك، والسوريين، والمصريين يجعلنى أصرح قائلا: إن هؤلاء الناس يفتقرون إلى الفضيلة، والشرف والعدل، وإنهم ليسوا أتقياء بمعنى الكلمة، وإنهم أقل إحسانا وصبرا، وإن الأمانة لا تتوفر إلا في فقرائهم أو بلهائهم، والتركى، قد يعرف ما هو صحيح وما يستحق الثناء، لكنه يترك الممارسة للغير، وعلى الرغم من أن هذا التركى تلفظ شفتاه معايير طيبة، فإنه يحاول إقناع نفسه بأنه يتصرف طبقا لما تنص عليه تلك المعايير. من هنا نجد التركى يظن أو يحسب أنه مسلم بمعنى الكلمة، نظرا لأنه لا يترك المواظبة على صلوات بعينها، أو وضوء بعينه، وإنه يطلب العفو دائما من الله (سبحانه وتعالى) .
فى المدينة المنورة ينشغل أشخاص متعددون بالمعاملات التجارية الصغيرة، المتعلقة بالتموينات بصفة خاصة. بعض أشكال النقل مربحة في المدينة المنورة، وسبب ذلك أن المدينة تعتمد حركاتها التموينية على القوافل التى تأتى من ينبع، وهذه القوافل يستحيل أن تنظم مواعيدها، وهذا الأمر يؤدى بدوره إلى تقلب الأسعار؛ والنتيجة السيئة التى تترتب على ذلك، تتمثل في نجاح تجار الغلال في بعض الأحيان في فرض نوع من الاحتكار، يؤدى إلى انعدام وجود الحبوب لدى تجار التجزئة، واقتصار وجودها فقط على مخازنهم، والقوافل إذا ما تأخر وصولها طويلا، أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار القمح ارتفاعا باهظا، ونظرا لأن كبار شخصيات المدينة يكونون هم المعنيون بمثل هذا الارتفاع، فإن ذلك يندر أن يؤدى إلى تدخل القضاة في هذه العملية.
بعد تجارة التموينات تأتى التجارة مع البدو المحيطين بالمدينة المنورة، وهذه التجارة هى الأهم، وسبب ذلك أن البدو هم الذين يمدون المدينة بالزبد، والعسل (الذى يعد سلعة شديدة الأهمية في المطبخ الحجازى) ، والأغنام، والفحم النباتى الذى يبادلونه بالقمح والملابس. يزاد على ذلك أن وصول البدو للمدينة المنورة يعد غير منتظم إلى حد بعيد، وإذا ما تصادف أن تحاربت قبيلتان، أدى ذلك إلى بقاء المدينة تحت رحمة قلة قليلة من التجار الكبار، الذين يتصادف أن يكون لديهم مخزون كبير