فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 573

من هذه السلع. عند ما وصلت المدينة المنورة، أول مرة، لم يكن في السوق أى شئ من الزبد، وكان سعر القمح أعلى بنسبة خمسين في المائة عنه في ينبع، ثم يختفى القمح بعد ذلك تماما من السوق، وفى مرة أخرى اختفى الملح من السوق، ثم حدث الشئ نفسه مع الفحم النباتى، واختل نظام سوق التموينات اختلالا كبيرا. في بعض المدن الشرقية الأخرى، التى من قبيل مكة وجدة، يجرى تعيين موظف عام، يسمونه المحتسب ومهمته مراقبة عملية بيع التموينات؛ مهمة هذا المحتسب تتمثل في منع ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وإلزام التجار بحدود قصوى لا يتعدونها، وبذلك يحصلون على ربح معقول وليس ربحا مبالغا فيه. لكن هذا ليس هو الحال السائد في المدينة المنورة، نظرا لأن المحتسب لا سلطة له في هذه المدينة. لذا فإن القمح على سبيل المثال يباع في بعض ضواحى المدينة المنورة بسعر أعلى عشرين في المائة عنه في الضواحى الأخرى، وهذا الشئ نفسه ينطبق على كثير من السلع الأخرى، الأمر الذى يتسبب في معاناة الكثيرين جراء عدم معرفتهم لطبيعة الأمور في المدينة المنورة، طوال مقامى في المدينة المنورة كان الاتصال بينها وبين ينبع عن طريق قافلة قوامها حوالى مائة وخمسين جملا، كانت تصل إلى المدينة المنورة كل أسبوعين، كما كانت هناك جماعات صغيرة من التجار البدو، قوام الواحدة منها يتردد بين خمسة جمال وعشرة جمال، كانت تصل إلى المدينة المنورة كل خمسة أيام أو ستة. كان القسم الأكبر من حمولة تلك القافلة خاصا بجيش طوسون باشا، أما القسم الآخر فكان مخصصا للتجارة والسلع التموينية، التى لم تكن كافية لتلبية احتياجات المدينة كلها. وقد أبلغنى شخص مطلع، أن استهلاك المدينة المنورة من القمح في اليوم الواحد يتردد بين ثلاثين إردبا وأربعين إردبا، أى ما يعادل حمولة ما يتردد بين خمسة وعشرين جملا حجازيا وخمسة وثلاثين. ويقال إن إنتاج الحقول المحيطة بالمدينة المنورة، من القمح لا يكفى سوى استهلاك أربعة أشهر، أما الجزء المتبقى فيمكن الحصول عليه من ينبع أو عن طريق الاستيراد من مصر. يتوفر القمح في زمن السلم، لكن بعد تمركز الجيش التركى مؤخرا في هذه المنطقة، بدأ البدو يتخوفون من وضع زمام إبلهم في أيدى الأتراك، الأمر الذى أدى إلى انخفاض التوريد إلى أدنى مستوياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت