فهرس الكتاب
وهنا بدأ سكان المدينة المنورة يتضايقون بسبب هذه المسألة، الأمر الذى جعلهم يقللون من استهلاكهم للقمح إلى أدنى المستويات، مما جعلهم يستهلكون ما لديهم من مخزونات. كان طوسون باشا قد استولى عنوة على عدد كبير من إبل البدو، واضطرهم إلى مرافقة جيشه الذى أخافهم، إلى حد أنه قبل وصول محمد على باشا، كانت المجاعة على وشك الحدوث بسبب الافتقار الشديد إلى الإبل اللازمة للنقل. حاول الباشا أن يستعيد ثقة الناس به، ولذلك بدأ بعض البدو يعودون إلى ديارهم ومعهم إبلهم. في زمن السلم تصل قوافل القمح قادمة أيضا من نجد، وبخاصة المنطقة التى يسمونها القصيم، لكن هذه القوافل كلها كان يجرى وقفها وتعطيلها، وقد بلغنى أن تجارة نقل التموينات من ينبع كانت قد توقفت سنوات عدة عقب دخول الوهابيين للمدينة المنورة، التى أراد رئيسها سعود، محاباة رعاياه من أهل نجد، كما أن المدينة المنورة، في ذات الوقت، كانت تحصل على بعض تمويناتها من نجد من ناحية والبعض الآخر من حقولها الخاصة. كانت السلع التموينية في ذلك الوقت شحيحة وغالية تماما: الأمر الذى حدا بالطبقات الفقيرة إلى الاعتماد في حياتهم على التمر بصفة رئيسية، وعلى نوع من الخبز الشعبى الذى يصنعونه من دقيق الشعير، قلة قليلة من الناس هم الذين كانوا يستطيعون الحصول على شئ من الزبد، والقليل جدا من اللحم. وهذه هى ثمار اللوتس أو بالأحرى ثمار شجرة النبق بعد أن نضجت في بداية شهر مارس، أغرت أهل المدينة المنورة بالتخلى عن التمر، والاعتماد عليها غذاء وحيدا طوال أشهر عدة؛ فقد شاهدت أكواما كبيرة من النبق في السوق، وباستطاعة أى فرد الحصول على ما يسد رمقه نظير ما ثمنه بنس واحد من القمح، يقبله الناس بدلا عن النقود، وبخاصة البدو الذين يجلبون ثمار النبق إلى السوق. يضاف إلى ذلك أن الخضراوات التى يزرعها الناس في البساتين مخصصة لاستعمال الأجانب فقط، ونكهتها مختلفة تماما، كما أن العرب لا يستسيغونها؛ إذ لا يستخدمها سوى أولئك الذين اعتادوا على ذلك المذاق وتلك النكهة في البلدان الأجنبية، والبصل والكراث وكذلك الثوم هى الخضراوات الوحيدة التى يغرم بها العرب.