فهرس الكتاب

الصفحة 523 من 573

البدو لإحضاره، بينما واصلت أنا مسيرى، وخيمت في تلك الليلة في واد جانبى بعيدا عن الطريق، انضم إلينا فيه من جديد ذلك الصبى البدوى؛ إذ كان يرغب في ألا يراه الجنود الآخرون.

بدأنا عندئذ نوجه رحلتنا على نحو لا يسمح لنا بالتقاء الجنود مرة ثانية، ومع ذلك التقيت ذلك الجندى بعد ذلك بيومين في بلدة الطور. كان محافظ السويس في الطور في ذلك التاريخ، وكان بوسعى التقدم إليه بشكواى، كان ذلك الجندى يخشى هذه المسألة، ولذلك جاء إلىّ وعلى وجهه ابتسامة، ليقول لى إنه يتمنى ألا يكون هناك ما يعكر الصفو بيننا، وعلل الطلقة التى أطلقها بأنها كانت من باب تنبيه رفاقه إلى مساعدته في مسألة الجمل، ورددت عليه بأن الطلقة التى أطلقتها أنا كان لها هدف مختلف تماما، وأنى جد آسف لأنها أخطأت الهدف، وعقبها ضحك الرجل وانصرف لحال سبيله. ليس هناك على وجه الأرض جندى بذئ، ومتكبر، ورذيل، وجبان مثل الجندى التركى؛ الجندى التركى إذا ما أحس أنه لن يلقى مقاومة، تجده يتصرف بطريقة فيها الكثير من الاستبداد والطغيان، ولا يتورع عن قتل إنسان برئ، جراء نوبة من نوبات انفعاله، لكن الجندى التركى إذا ما لقى مقاومة حازمة، أو عند ما يتخوف من النتائج السيئة التى يمكن أن تترتب على سلوكه تراه يلوذ بكثير من الأعمال الوضيعة والحقيرة. طوال رحلتى من أسوان إلى القاهرة، التى كان القسم الأكبر منها بطريق البر، صادفت أشياء مماثلة مع بعض الجنود الأتراك، وهنا يتعين علىّ أن أضع قاعدة أمام الرحالة، مفادها أنهم يجب أن يتعاملوا مع هؤلاء الجنود الأتراك بتكبر وتعال لأنهم يعملون للخوف ألف حساب وحساب، وهنا يبدءون في تغيير تصرفاتهم. قطعنا في ذلك اليوم مسير حوالى تسع ساعات.

اليوم السابع من شهر يونيو. واصلنا سيرنا في الوديان حوالى ساعتين ونصف الساعة، لنصل بعد ذلك إلى جبل عال، اضطررت عنده إلى النزول عن جملى. واستطعت الوصول إلى قمة الجبل بصعوبة بالغة؛ نظرا لأنى كنت خائر القوى، وكنت أرتعش لأنى كنت محموما اعتبارا من الليلة السابقة. استغرق تجاوزنا للجبل قرابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت