فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 89

ولا يكتفي ابن الأثير بهذا العرض دون التنظير الدلالي ويختار لذلك قوله تعالى: ـ

(وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(44 ) ) (1) .

ويعقب بقوله: «إنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة لا لأمر يرجع إلى تركيبها، وإنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة وكذلك إلى آخرها» (2) .

ويتعرض لدلالة اللفظ الواحد في تركيبين مختلفين، فتجد اللفظ مستكرهًا في تركيب، وهو نفسه مستحسنًا في تركيب آخر ويضرب لذلك مثالًا فيقول: ـ

«وسأضرب لك مثالًا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن، وبيت من الشعر، فجاءت جزلة متينة في القرآن، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثّر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين، أما الآية فهي قوله تعالى: ـ

(فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ ... ) (3) .

وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي (4) :

تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام

وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة إلا أن لفظة: «تؤذي» قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها، وحسن موقعها في تركيب الآية» (5) .

(1) سورة هود: 44.

(2) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 214.

(3) سورة الأحزاب: 53.

(4) المتنبي، ديوان المتنبي: 4/ 75.

(5) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت