الصفحة 1455 من 2848

فوصل الخبر إلى المترجم داود باشا، فصار في حيرة، فأشار عليه بعض خلّانه بالتقرب من بغداد لسلامة روحه، ولأنه لا يكمل البدر إلّا بالسري، ولو لا التغرب ما وصل الدرّ من البحور إلى النحور، وأنشد:

ولا يقيم بدار الذلّ يألفها ... إلّا الأذلّات عير الحي والوتد

فخرج من بغداد والإقبال يقول: بشراك بشراك، والتقوى تتلو عليه، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا، لاثني عشرة خلت من ربيع الأول من السنة الرابعة والأربعين من مولده، وهي الحادية والثلاثون بعد المائتين والألف، ومعه مائتان وخمسون فارسا ممن يبيعون أرواحهم في حبه.

فلما بلغ كركوك كاتب الدولة العلية في طلب وزارة بغداد، وأرسل لهم كتابا يتضمن من البلاغة أنواعا يدل على سعة باع كاتبه في جميع العلوم، بل وفي الخفي من السياسيات والجلي، فملأ عيون الدولة، وعلموا أن في العراق رجلا، وأرسلوا له فرمانا بأنه والي العراق، البصرة، وشهرزور، وبغداد.

فلما وصل أمر السلطان محمود إليه قبله بالإجلال والإكرام على حسب الرسوم المقتضيها الحال، وفي الحال كتب نسخا متعددة مجرّدة من صورة ذلك الفرمان العالي الواجب التعظيم والاحترام، وأرسلها إلى من بيدهم الحل والعقد في نواحي بغداد، مثل حمود بن ثامر، والنقيب، والكتخدا وغيرهم من أعيان بغداد لكي تنطفي الفتنة بمجرد سماعهم هذا الخبر، فأزمع حمود على الرجوع إلى وطنه، وتخلّى عن سعيد باشا، وقال له: إنا نحميك ما دمت خادما للسلطان، والآن ما يسعنا إلّا تأمين أوطاننا، أو أن تسمع نصحنا، فسافر معنا إلى أرضنا فهو أسلم لعاقبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت