فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 158

رحمه الله، خبر ما عليه الناس من إخافة عدوهم، واهتضام عرصتهم (613) واستهداف عقوتهم (614) ، فأمر بارتياد محل لتأسيس مدينة، فاختير على غلوات منهم، محل أرضه صخر منطبق على تراب يتأتّى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا، بعيد المهوى، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدّة للاختزان عن أضرار السماء، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء (615) . فشرع في البناء واستبعد الفضاء، ومثلت الأبواب العديدة، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حمامه وانصرام أيّامه، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واجتياز حسنته.

وتلقّانا مشرف المجبي بها الشيخ الفقير الخيّر أبو عبد الله اللّجائي (616) ، قريع الأمانة والفضل، العف اليد، الحصور عن مساس الجباية، المتّصل الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العشرة، الجواد على كونه منينا (617) ما، عدم العتاد في حال الكبرة. تلقّانا في جملة من أتباع الخدمة، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد بن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزّمّوري (618) ، رجل مختصر البنية والثواب قد طرقه الوخط على حداثة، يحفظ غثاء من منقول كتب التفسير وغيرها، ذاكر لمسائل متعدّدة، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادة لا جهلا بقانون

المغرب الأقصى. وكان مغرما بالعلوم والبناء وتوفي في عام 759 ه‍وقيل مات قتيلا. راجع ترجمته وثورته على أبيه وأسبابها في (ابن خلدون: العبر ج 7، ص 278 ـ 287؛ ابن الخطيب: اللمحة البدرية ص 93 ـ 95؛ أبن الأحمر: روضة النسرين ص 23 ـ 24)

(613) العرصة: ساحة الدار وجمعها عراص وأعراص وعرصات.

(614) العقوه: الساحة والمحلة وجمعها عقاء.

(615) هذه العبارة تدل على سعة دراية أهل المغرب بهندسة البناء في ذلك العصر.

(616) لعله من أسرة عبد الرحمن اللجائي (المتوفى 771 ه‍) الذي أدخل مختصر ابن الحاجب المصري في الفقه المالكي إلى المغرب. انظر (ابن القاضي: درة الحجال، ج 2، ص 356 رقم 986) .

(617) المنين: الضعيف وجمعها منن.

(618) راجع ترجمته في (المقّري: نفح الطيب ج 7، ص 261، أحمد بابا: نيل الابتهاج ص 277، ابن القاضي: جذوة الاقتباس ص 148، انظر كذلك (ابن الأحمر: روضة النسرين ص 7 من المقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت