الصفحة 116 من 1395

قمتها فيما يتصل بموسى عليه السلام، بل إن بعض المؤرخين إنما جعل بني إسرائيل انفسهم ـ وليس المنجمين ـ هم الذين كانوا يرددون هذه النبوءة، وأن صاحبها هو الخليل نفسه (1) .

ولعل سؤال البداهة الآن: لم يصرّ هؤلاء المؤرخون على أن يجعلوا المنجمين يعلمون الغيب من الأمر؟ حتى أنهم في قصة إبراهيم، إنما يحددون مولده بالسنة، بل والشهر كذلك، وإن لم يقل لنا أصحابنا المؤرخون: متى كان هذا الشهر، وتلك السنة، ثم ألا تبدو الصنعة واضحة في ولادة الخليل في مغارة، ثم تركه وحيدا فيها، ثم زيارة أمه له يوما بعد يوم، دون أن يدري الملك ـ أو حتى أبو الخليل نفسه ـ شيئا عن ذلك، ثم من أين اتى المؤرخون بكل هذا القصص؟

والرأي عندي أنه ربما صاحبت مولد الخليل عليه السلام بعض الخوارق، فذلك أمر لا ننكره، وما كان لنا أن ننكره، ولكن أن تكون الخوارق بهذه الطريقة التي يذكرها مؤرخونا، وأن تتكرر مع بعض الأنبياء على نفس الوتيرة، مع تغيرات طفيفة في السرد القصصي، فذلك ما نراه أمر اختلاق، لعبت الإسرائيليات فيه الدور الأول، ثم شاء لمؤرخينا علمهم أن يزيدوا فيها، وهم يعلمون أن التوراة محرفة، فما زادوا ـ والحال هذه ـ على أن نقلوا التحريف، بل وربما في بعض الأحايين أن حرفوا التحريف نفسه، فأتت كتاباتهم على هذا النحو أو ذاك.

(1) ابن الأثير 1/ 170، تاريخ الطبري 1/ 234 ـ 237، 387 ـ 388، ابن كثير 1/ 237 ـ 238، تاريخ اليعقوبي 1/ 23، مروج الذهب 1/ 56، متى 2: 1 ـ 22، قارن: تفسير المنار 1/ 313، المقدسي 3/ 45، تفسير الطبري 12/ 65 ـ 67، قصة مشابهة عن قوم صالح عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت