الصفحة 1192 من 1395

شاء الله تعالى أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان، فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى، وإن لم تكن مثلها تماما، أنثى فقط تتلقى النفخة التي تنشئ الحياة ابتداء، فتنشأ فيها الحياة (1) ، وهكذا جاء عيسى بن مريم إلى هذه الدنيا بطريقة أشبه بتلك التي جاء بها آدم عليه السلام، وصدق الله العظيم حيث يقول: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (2) .

صحيح أن ولادة عيسى عجيبة حقا بالقياس إلى مألوف الناس، ولكنه صحيح كذلك أنه لا غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي البشر، وأهل الكتاب الذين يناظرون ويجادلون حول عيسى بسبب مولده، ويصوغون حوله الأوهام والأساطير بسبب أنه نشأ من غير أب، أهل الكتاب هؤلاء كانوا يقرون بنشأة آدم من التراب، وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني، دون أن يصوغوا حول آدم الأساطير التي صاغوها حول عيسى، ودون أن يقولوا عن آدم: إن له طبيعة لاهوتية، على حين أن العنصر الذي صار به آدم إنسانا هو ذاته العنصر الذي ولد به عيسى من غير أب، عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك، وإن هي إلا الكلمة «كن» تنشئ ما تراد له النشأة «فيكون» وهكذا تتجلى بساطة هذه الحقيقة، حقيقة عيسى وحقيقة آدم وحقيقة الخلق كله، وتدخل إلى النفس في يسر، وفي وضوح، حتى ليعجب الإنسان، كيف ثار الجدل حول هذا الحادث، وهو جار وفق السنة الكبرى، سنة الخلق والنشأة جميعا (3) .

(1) في ظلال القرآن 1/ 398.

(2) سورة آل عمران: آية 59، وانظر: تفسير الفخر الرازي 8/ 74 ـ 76، تفسير الطبري 3/ 295 ـ 297، تفسير ابن كثير 1/ 550 ـ 552، تفسير النسفي 1/ 160 ـ 161، تفسير روح المعاني 3/ 186 ـ 187.

(3) في ظلال القرآن 1/ 404 ـ 405.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت