الصفحة 1194 من 1395

وقد قال بعض العلماء: لم ينسخ منها شيئا، وإنما أحل لهم بعض ما كان يتنازعون فيه خطأ وانكشف لهم عن الغطاء في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) (1) ، ويقول الطبري: إن عيسى كان مؤمنا بالتوراة مقرابها، وأنها من عند الله (2) ، وكذلك الأنبياء كلهم يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلفت بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أن عيسى كان، فيما بلغنا، عاملا بالتوراة لم يخالف شيئا من أحكامها، إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددا عليهم فيها (3) ، وجاء في التفسير الكبير عن وهب بن منبه: أن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام، كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس، ثم إنه فسر قوله: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) بأمرين، أحدهما: أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند

(1) تفسير ابن كثير 1/ 546.

(2) نرى لزاما علينا أن نبيّن هنا: أن التوراة التي كان عيسى عليه السلام مؤمنا بها مقرا بما فيها، إنما هي التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، فيها هدى ونور، فهي تقرر وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن كل مظاهر النقص، والتي ترتكز على الاعتراف باليوم الآخر، والإيمان بما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار، والتي تضمنت عظات وأفكار وشريعة لبني إسرائيل يحكم بها أبناؤهم، والتي تقرر عصمة هؤلاء الأنبياء، غير أن هذه التوراة الأصلية ببنودها ونصوصها وتعاليمها، لا وجود لها بهذه الصورة الإلهية في التوراة المتداولة اليوم، فلقد امتدت إليها يد أثيمة من أحبار يهود فحرفت وبدلت، ثم كتبت سواها بما يتلاءم مع يهود، ويتواءم مع مخططاتهم، ثم زعموا بعد كل هذا، أنها التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا) ، هذا فضلا عن أن توراة موسى شيء، والعهد القديم شيء آخر، فالتوراة لا تعدو خمسة أسفار من أسفار العهد القديم، البالغ عددها 39 سفرا، عند البروتستانت، وأكثر من ذلك بسبعة أسفار، عند الكاثوليك، فضلا عن أسفار الأبوكريفا، والأسفار المفقودة أو الخفية (قدم المؤلف دراسة مفصلة عن التوراة: أنظر: محمد بيومي مهران: إسرائيل 3/ 1 ـ 379 ـ الاسكندرية 1979) .

(3) تفسير الطبري 3/ 281.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت