الصفحة 1195 من 1395

أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى، فجاء عيسى ورفعها وأبطلها، وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام، وثانيهما: أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات، كما قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) ، ثم بقي هذا التحريم حتى جاء عيسى عليه السلام، ورفع تلك التشديدات عنهم، وقال آخرون: إن عيسى رفع كثيرا من أحكام التوراة، ولم يكن ذلك قادحا في كونه مصدقا بالتوراة على ما بيناه، ورفع السبت ووضع الأحد قائما مقامه، وكان محقا في كل ما عمل لأن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق (1) .

ومن ثم فإن قوله تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ، إنما يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة، فالتوراة التي تنزلت على موسى، وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان، وملابسات حياة بني إسرائيل (بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان) هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام وجاءت رسالته مصدقة لها، مع تعديلات تتعلق بإحلال بعض ما حرم الله عليهم، وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاص وانحرافات، أدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالا لهم، ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم (2) ، أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أنه قال: كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى عليهما السلام، وكان فيما حرم عليهم فيما جاء به موسى، لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى،

(1) تفسير الفخر الرازي 8/ 59.

(2) في ظلال القرآن 1/ 400.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت