الصفحة 1203 من 1395

رابعا: إخبار القوم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم: ـ

وقد اختلف العلماء في وقت هذا الإخبار على قولين، أحدهما: أنه عليه السلام كان يخبر عن الغيوب من أول أمره، أخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر وبن العاصي، وكذا روى عن السدي: أنه كان يلعب مع الصبيان، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم، وكان يخبر الصبي بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء، ثم قالوا لصبيانهم لا تلعبوا مع هذا الساحر، وجمعوهم في بيت، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا له: ليسوا في البيت، فقال فمن في البيت، قالوا خنازير، قال عيسى كذلك يكونون، فإذا هم خنازير، وأما القول الثاني: فإن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة، وذلك لأن القوم نهوا عن الإخبار، فكانوا يحزنون ويدخرون، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم، وقد أيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عمار بن ياسر في الآية أنه قال: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ) من المائدة وما تدخرون منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا قردة وخنازير (1) .

وبدهي أن الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، ذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخبر لا يمكنهم ذلك، إلا عن سؤال تتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآله ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيرا، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى، وهذا هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذبة على الله أو المدعية علم ذلك، ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً

(1) تفسير روح المعاني 3/ 170، تفسير الفخر الرازي 8/ 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت