الصفحة 1211 من 1395

المسيح وأمه كانا يأكلان الطعام، يقول تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) (1) ، ومن البيّن أن الذي يأكل الطعام فيتحول في جسمه دما ولحما وعظما، وينضح عرقا، ويخرج فضلة لو بقيت في الجسم لأضرته، من الواضح أن كائنا من هذا النمط لا يمكن إلا أن يكون بشرا خاضعا لكل قوانين البشر التي لا تؤدي إلى نقص في مرتبته كرسول (2) ، ويقول الفخر الرازي اعلم أن المقصود من قوله تعالى: (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) الاستدلال على فساد قول النصارى، وبيانه من وجوه، الأول: أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقا، لا إلها، والثاني: أنهما كانا محتاجين، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإله هو الذي يكون غنيا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون (المحتاج) إلها، والثالث أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله، والرابع: أن الإله هو القادر على الخلق والإيجاد، فلو كان إلها لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب، فلما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه، كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين، وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل (3) .

وأما قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا) (4) ، فهذا، كما يقول الفخر الرازي، دليل آخر على فساد قول النصارى، وهو يحتمل أنواعا من الحجة، الأول: أن اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء، فما قدر على الإضرار بهم، وكان أنصاره وصحابته

(1) سورة المائدة: آية 75.

(2) عبد الحليم محمود: التفكير الفلسفي في الإسلام ـ القاهرة 1964 ص 74.

(3) تفسير الفخر الرازي 12/ 61.

(4) سورة المائدة: آية 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت