الصفحة 1218 من 1395

الذي خلق عيسى من غير أب، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (1) ، وقد أجمع المفسرون أن آية آل عمران (59) نزلت عند حضور وفد نجران على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه (أي عيسى) لا أب له من البشر، وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: إن آدم ما كان له أب ولا أم، ولم يلزم أن يكون ابنا لله تعالى، فكذا القول في عيسى عليه السلام، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب، فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم، بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم، أقرب من تولده من التراب اليابس (2) .

وأخرج في الدلائل بسنده عن ابن عباس: أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم السيد، وهو الكبير، والعاقب، وهو الذي يكون بعده وصاحب رأيهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما، قالا أسلمنا قال ما أسلمتما، قالا بلى قد أسلمنا قبلك، قال كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولدا، ونزل «إن مثل عيسى» الآية، فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول، ونزل «فمن حاجك» الآية، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قد أمرني، إن لم تقبلوا هذا، أن أباهلكم، فقالوا يا أبا

(1) سورة آل عمران: آية 59 ـ 61، وانظر: تفسير الفخر الرازي 8/ 74، تفسير النسفي 1/ 160 ـ 162، تفسير روح المعاني 3/ 186 ـ 193، تفسير الطبري 3/ 295 ـ 298، تفسير ابن كثير 1/ 550 ـ 555، في ظلال القرآن 1/ 404 ـ 406، تفسير المنار.

(2) صفوة التفاسير 1/ 206 ـ 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت