الصفحة 1252 من 1395

فالدعوة السماوية التي هي أول ما أنزل على البشر، وبلغ إليهم، هي مطوية في ثلاث كلمات فقط: إيمان وتقوى وطاعة، بالإيمان ينتظم أمر عقائد الأمة فتسلم من الخرافات والأوهام، وبالتقوى ينتظم أمر أخلاقها وآدابها فتسلم من السقوط والفساد، وبالطاعة ينتظم أمر اتحاد كلمتها وعلو شأنها، فتسلم من الانحلال والضياع، وما زالت الأمم على سلم هذه الأركان السماوية تعلو في الحياة الاجتماعية وتسقط، وترقى في العزة والغلبة وتهبط، وآية ذلك التاريخ، فهو الشاهد العدل، وإليه في هذه المسألة القول الفصل (1) .

وهكذا أرسل الله تعالى نوحا إلى قومه، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، وإفراده بالشكر والضراعة، وترك ما هم عليه من عبادة الموروثات الباطلة، وأفرغ عليهم من طيب كلامه ليستميلهم إليه، ويذعنوا لدعوته، ويؤمنوا بها، وكان نوح عليه السلام، رجلا فتيق اللسان، عظيم الأناة، صابرا على الجدل، بصيرا بمسالك الإقناع، قادرا على تصريف الحجج، لكن روح الضلال والتقليد المتسلطة على المعاندين المستكبرين من قومه أبت عليهم أن يعرفوا طريق الهداية، وتحجرت قلوبهم فلم تلن لدعوته، ولم تنقد لرجائه، كان، عليه السلام، كلما دعاهم إلى الله أعرضوا، وإذا أنذرهم بالعذاب والويل عموا وصموا، وإذا رغبهم في ثواب الله ورضائه استهانوا وسخروا منه واستكبروا ووضعوا أصابعهم في آذانهم (2) ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِرارًا، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا) (3) .

(1) عبد القادر المغربي: تفسير جزء تبارك ـ المطبعة الأميرية ـ القاهرة 1947 ص 122.

(2) سعد صادق: من قصص الأنبياء في القرآن ـ القاهرة 1969 ص 37.

(3) سورة نوح: آية 5 ـ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت