الصفحة 1253 من 1395

ورغم ذلك كله، فقد صابرهم وطاولهم، ومدّ لهم في حبل صبره وأناته، وناضلهم وأخذ يفنن في الدعوة، من غير يأس ولا ملل، دعاهم ليلا ونهارا، وسرا وعلانية، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا) (1) .

كان نوح عليه السلام يتكتم في أول الأمر في عرض الدعوة على قومه، فكان يدلي لهم بالمناصحة سرا، مستغرقا في ذلك جميع وقته، ليله ونهاره، كما هو شأن الداعي الحريص على بث دعوته، الحاذق في أدائها، العالم بطرق تبليغها، يتحين لها الفرص، ويختار لها الأوثق فالأوثق من الرجال، ولا يتسرع في إفشائها خشية أن يكاد لها، وتقام العواثير دونها، ومع كل ذلك لم تنجح دعوة نوح عليه السلام في القوم لفرط عتوهم، وتحجر العناد في نفوسهم، وهذا ما حمل نوحا على سلوك طريق آخر في الدعوة، وهو مصارحتهم بها، وتبليغهم إياها جهارا، من دون تكتم ولا خوف ولا تقية، وهو معنى قوله تعالى: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا) ، إذ ربما فرط تكتمه في أمره، واستخفائه بدعوته، يجعلهم يظنونها باطلة، وإلا فما الذي يمنعه من الجهر بها؟ أو يظنون أنه عاجز جبان عن تبليغها فهو يكتمها خشية إيقاعهم به، وهذا مما يزيدهم نفورا وعنادا، ومن ثم قام نوح عليه السلام يصدعهم بدعوته صدعا، شأن الواثق من صدقها، المعتمد على ربه في حياطته وحياطتها، كأنه يقول: «هاكم دعوتي أبلغكموها على رءوس الأشهاد، فإن كان لكم سلطان بيّن على بطلانها فهاتوه، أو كنتم تريدون قتلى وصدى بالقوة فافعلوه (2) .

وانظر: تفسير القرطبي ص (6779 ـ 7780) ، تفسير ابن كثير 4/ 664 ـ 665، تفسير النسفي 4/ 294 ـ 295، تفسير جزء تبارك ص 123 ـ 125.

(1) سورة نوح: آية 8 ـ 9.

(2) عبد القادر المغربي: تفسير جزء تبارك ص 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت