الصفحة 1255 من 1395

رتبة الطبقة العليا إلى رتبة من اتبعه من الطبقات السفلى، وهذا مرجح لرد دعوته والتولي عنه، والثالثة: عدم رؤية فضل له مع جماعته هؤلاء عليهم من قوة عصبية أو كثرة غالبة، أو غير هذا من المزايا التي ترفع الأرذال من مقعدهم من السفلة، فيهون على الأشراف مساواتهم في اتباعه.

والرابعة: أنهم بعد الإضراب أو صرف النظر عما ذكروا من التنافي والتعارض، يرجحون الحكم عليه وعليهم بالكذب في هذه الدعوى، وهذا هو المرجح الأقوى لرد الدعوة، وقد أخروه في الذكر لأنهم لو قدموه لما بقي لذكر تلك العلل الأخرى وجه، وهي وجيهة في نظرهم لا بد لهم من بيانها، وهذه الأخيرة طعن لهم على نوح عليه السلام أشركوه فيه مع اتباعه، ولم يجابهوه به وحده، ولم يجزموا به، كما أنهم لم يجعلوه في طبقتهم من الرذالة (1) .

وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا) (2) (، وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ، وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ، بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) (3) .

وكان رد نوح عليه السلام على قومه، كما جاء في القرآن الكريم: (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ، وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ،

(1) تفسير المنار 12/ 53 (الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1975) .

(2) كرر القوم هذا الكلام مع نوح عليه السلام كما جاء في سورة المؤمنين (آية 24) ، كما كرره فرعون مع موسى وهارون عليهما السلام، كما جاء في الآيات 45 ـ 48 من نفس سورة المؤمنين.

(3) سورة هود: آية 27، وانظر: تفسير المنار 12/ 5 ـ 54، تفسير القرطبي ص 3250 ـ 3252، تفسير ابن كثير 2/ 685 ـ 686، تفسير النسفي 2/ 185، تفسير الطبري 15/ 295 ـ 297 (دار المعارف ـ القاهرة 1960) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت