الصفحة 130 من 1395

التوراة من قريب أو بعيد إلى أماكن حط الخليل فيها ركبه ورحالهم أثناء هجرتهم هذه، حتى وصلوا إلى شكيم، وإن كان المؤرخ اليهودي «يوسف بن متى» ، قد ذهب إلى أن إبراهيم كان «ملك دمشق» ، وأن «نقولا الدمشقي» يقول في الكتاب الرابع من تاريخه، أن ابراميس (إبراهيم) حكم في دمشق، وكان مغيرا قدم من أرض بابل من البلاد التي تسمى بلاد الكلدانيين، ولم يمض عليه طويل وقت حتى هجرها وقومه إلى كنعان، وهو أمر لم يذكره القرآن من بعد، ولا التوراة أو الإنجيل من بعد، وإن ورد اسم «اليعاذر الدمشقي» في التوراة ـ وهو وكيل بيت إبراهيم ـ وإن أشار كذلك المؤرخون الإسلاميون إلى رواية ابن عباس من أن الخليل قد ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون، وقد صحح ذلك الحافظ بن عساكر، فقال أنه ولد في بابل، وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه، إذ جاء معينا للوط عليه السلام (1) ، وكل ذلك يدل على أن هناك علاقة من نوع ما بين إبراهيم الخليل وبين دمشق، وإن كانت وصلت إلينا من مصادر متأخرة.

وعلى أي حال، فإن إبراهيم الخليل قد اختار ـ كما تشير التوراة ـ في ريادته الأولى لأرض كنعان، الطريق الشاق والموحش، إذ كان متجولا فوق التلال نحو الجنوب، وهنا نجد حواف التلال المليئة بالأشجار، تقدم ملجأ وملاذا للغريب في الأرض الأجنبية بينما يقدم الخلاء الواسع المرعى الواسع لقطعانه ورعاته، وعند ما أراد الخليل أن يستقر في بادئ الأمر، فضل ذلك أن يكون فوق هضبة، ذلك لأنه ـ بأقواسه ومقاليعه ـ لم يكن في حالة تمكنه من أن يخاطر بالصدام مع الكنعانيين، الذين كانوا ـ بسيوفهم وحرابهم ـ أكبر من ند له، ولم يكن إبراهيم بعد مستعدا

(1) ابن كثير: قصص الأنبياء 1/ 168، البداية والنهاية 1/ 140

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت