الصفحة 135 من 1395

خوارق الفلك، وأسندت إليه واقعة بينة البطلان بذاتها، وغير قابلة الوقوع ... وواضح من أسلوب نقدهم أنهم يكتبون لإثبات دين، وإنكار دين، ولا يفتحون عقولهم للحجة حيث تكون، فضلا عن الاجتهاد في طلب الحقيقة، قبل أن يوجههم إليها المخالفون والمختلفون، أما الواقع الغريب حقا، فهو طواف إبراهيم بين أنحاء العالم المعمور، ووقوفه دون الجنوب، لغير سبب بل مع تجدد الأسباب التي تدعوه إلى الجنوب، ولو من قبيل التجربة والاستطلاع.

ويستطرد الأستاذ العقاد (1) ـ طيب الله ثراه ـ مبينا الأسباب التي تدعو الخليل إلى الاتجاه نحو الجنوب ـ نحو الحجاز ـ ذلك لأنه لم يكن صاحب وطن عند بيت المقدس، سواء نظرنا إلى وطن السكن أو وطن الدعوة أو وطن المرعى، فالمتواتر من روايات التوراة أنه لم يجد هناك مدفنا لزوجه فاشتراه من عفرون الحثي (2) ، أما الدعوة الدينية فقد كانت الرئاسة فيها الأحبار «إيل عليون» وكان إبراهيم يقدم العشر أحيانا لأولئك الأحبار (3) ، ومن المعروف أن من كان معه أتباع يخرجون في طلب المرعى، فلا بد لهم من مكان يسيمون فيه إبلهم وماشيتهم بعيدا عن المزاحمة والمنازعة، وهكذا كان إبراهيم يعمل في أكثر أيامه ـ كما تواترت أبناؤه في سفر التكوين ـ فلا يزال متجها نحو الجنوب.

وهناك أسباب دينية غير الأسباب الدنيوية توحي إليه أن يجرب المسير الى الجنوب، حيث يستطيع أن يبني لعبادة الله هيكلا، غير الهياكل التي كان يتولاها الكهان والأحبار من سادة بيت المقدس في ذلك الحين، فقد بدا له أن

(1) عباس العقاد: المرجع السابق ص 191 ـ 193

(2) تكوين 23: 4 ـ 20، وانظر مقالنا «قصة أرض الميعاد بين الحقيقة والأسطورة»

(3) تكوين 14: 18 ـ 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت