الصفحة 199 من 1395

على أن هناك من يرى أن «مناة» لا تمثل القدر، الذي تمثله مناتو البابلية، و «منا» العبرية، ذلك لأن الدهر في تصور العرب والشعراء الجاهليين رجل، لا امرأة، وقد يفسر هذا استقسام العرب عند هبل وذي الخلصة بالأزلام، وحلفهم فقط أمام مناة، ويؤكد صفة مناة كذلك أن سيفي الحارث الغساني (مخذوم ورسوب) عثر عليهما على بن أبي طالب رضي الله عنه عند مناة حينما هدمت، لأن السيف رمز العدالة، والإنصاف عند أهل البادية (1) .

وأيا ما كان الأمر، فلقد لعبت أيدي الوثنية الخبيثة بدين إبراهيم الحنيف، وأصابت النكسة عقيدته السمحاء ـ التي قضى عمره يرفع لواءها في كفاح طويل وجهاد موصول، فحطم الأصنام وتحدى الجبابرة ـ وهكذا انقلب القوم إلى عبادة الأصنام، وجهلوا سر الفداء، وسر البقاء، وبدأ عصر الوثنية وتقديس الأصنام، إلى درجة أن الرجل منهم كان يأخذ معه في أسفاره أي حجر من أحجار الكعبة، يصلى إليه، ويستأذنه في الإقامة والسفر، ويؤدي إليه كل ما يؤدي للنجوم وخالق النجوم من طقوس العبادة، ومن ثم فقد استقرت الوثنية وقدست التماثيل وقدم العرب لها القرابين (2) .

ويروي الأخباريون أن الجاهليين كانوا قد وضعوا «أسافا» و «نائلة» داخل المسجد الحرام، وضعوا كل واحد منهما على ركن من أركان البيت، فكان الطائف إذا طاف بدأ بأساف فقبله وختم به، وإن كانت هناك رواية أخرى تذهب إلى أنهما قد وضعا على الصفا والمروة، وأن عمرو بن لحي هو الذي نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، وعلى أي حال، فيبدو أن

(1) عبد العزيز سالم: دراسات في تاريخ العرب 1/ 640

(2) ابن كثير 2/ 191 ـ 192، الأزرقي 1/ 123، كتاب الاصنام ص 32، حياة محمد ص 100

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت