الصفحة 35 من 1395

المتواتر (1) .

وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها، بقي القرآن محفوظا في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه، حيث يقول (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (2) ، ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ) (3) ، أي بما طلب إليهم حفظه، والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأييد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادا مسدها ولم يكن شيء فيها يسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم (4) .

غير أني أودّ أن أنبه ـ بعد أن أستغفر ربي العظيم كثيرا ـ إلى أن القرآن الكريم لم ينزّل كتابا في التاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد للتي هي أقوم (5) ، أنزله الله، سبحانه وتعالى ـ ليكون دستورا للمسلمين، ومنهاجا يسيرون

(1) محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم، ونظرات جديدة في القرآن من 12، 13

(2) سورة الحجر: آية 9

(3) سورة المائدة: آية 44

(4) محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ص 13، 14

(5) سورة الإسراء: آية 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت