الصفحة 46 من 1395

ومنها (ثانيا) أن النبي نشأ أميا لا يقرأ ولا يكتب (1) ، ولم تكن نشأته بين أهل الكتاب حتى يعلم بالتلقين علمهم، والفئة القليلة المستضعفة التي وجدت في مكة منهم، تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، وكانت تعد من أجهل سكان المدينة المقدسة وأحطهم مقاما في المجتمع الانساني، يحترفون بدنيء الحرف، كخدمة بعض العرب، أو الاتجار في أشياء حقيرة، كبيع النبيذ، وغير ذلك مما يقوم به المستضعفون الذين يقطنون الأحياء المنزوية (2) ، ثم إن هؤلاء المطمورين لم يكونوا يجهلون دينهم فحسب، ولكن بصفة خاصة ـ وهنا تتركز حجة القرآن (3) كانت لغتهم الأجنبية حاجزا أمام النبي (4) ، وفي نفس الوقت كان قوم محمد (صلى الله عليه وسلم) ، أميين، لا يسود فيهم علم من أي طريق كان، إلا أن يكون علم الفطرة والبيان، ولم تكن عندهم مدرسة يتعلمون فيها، ولا علماء يتلقونه عليهم، لقد كانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب، والمعرفة في أي باب من أبوابها، يقول سبحانه وتعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»(5) ، وكانت رحلتا الصيف والشتاء إلى الشام واليمن تجاريتين لا تتصلان بالعلم في أي باب من أبوابه، ولا منزع من منازعه (6)

ومنها (ثالثا) أنه لم يثبت أنه كان بمكة أو ضواحيها أي مركز ثقافي

(1) سورة العنكبوت: آية 48

(2) مؤتمر سورة يوسف 2/ 1310، مدخل إلى القرآن الكريم ص 134، وكذا Huart وكذا op - cit.P.131 Masse ,L'Islam ,Paris ,7391 ,P.12

(3) سورة النحل: آية 103

(4) محمد عبد الله دراز: المرجع السابق ص 135، وكذا Pere Lammens, L'Islam Croyance et Institution, 6291, P. 82

(5) سورة الجمعة: آية 2

(6) محمد أبو زهرة: القرآن ص 363

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت