الصفحة 55 من 1395

الكذوب، وإنما جهدوا ـ قدر طاقتهم ـ لإثباتها، وهم أول من يعلم أن التوراة ـ أو العهد القديم ـ غير موثوقة السند، وراح بعضهم يتطاول على المقام السامي، دونما أي حذر أو حيطة، إثباتا لصحة نصوص التوراة، فيما يزعمون (1) ، وكأن التوراة لا تكون كتابا مقدسا، إلا اذا صورت المصطفين الأخيار، من أنبياء الله الكرام في صورة مشوهة (2) .

ويقدم لنا القرآن الكريم ـ بعكس التوراة تماما ـ خليل الرحمن، وهو يترك موطنه الأصلي في حاران (3) ، مبشرا بدعوة التوحيد، في مكان غير هذه الأرض، التي لم تتقبل دعوته بقبول حسن، وتقص علينا الآيات الكريمة من سورة مريم، كيف بدأ إبراهيم دعوته مع أبيه، يهديه بها صراطا مستقيما، غير أن أباه قد رفض الدعوة، بل وهدده إن لم ينته عنها، ليرجمنه وليهجرنه مليا، فما كان من الخليل، تأدبا مع أبيه وحدبا عليه، إلا أن يدعو له بالمغفرة، وأن ينتظر إجابة دعوته إلى حين، ولنقرأ هذه الآيات الكريمة: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا، يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا، قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا، قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ

(1) ف. ب. ماير: حياة إبراهيم ص 65، 221، حبيب سعيد: خليل الله في اليهودية والمسيحية والاسلام ص 47، القس منيس عبد النور: إبراهيم السائح الروحي ص 26

(2) انظر رحله في كتابنا اسرائيل ص 69 ـ 86

(3) انظر وجهات نظر مختلفة عن موطن الخليل وهجراته، في كتابنا «اسرائيل» ص 165 ـ 196

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت