الصفحة 56 من 1395

وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (1) .

وهذه الآيات الكريمة تدل بوضوح على أن هناك حلافا عميق الجذور بين إبراهيم وأبيه، تأدي بالوالد أن يأمر ابنه بالهجرة، حيث لا أمل في اتفاق، ولكن الأمور سرعان ما تتأزم كذلك بين إبراهيم وقومه، إلى الحد الذي لا يجد القوم مخرجا منها، إلا أن يلقوا بابراهيم في نار أوقدوها لإحراقه، وهنا يفقد إبراهيم الأمل في ايمان القوم، ويقرر الهجرة، (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ»(2) ، ولم يجد من القوم من يؤمن به إلا ابن أخيه لوط (3) ، (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (4) ، وهكذا كتب الله لإبراهيم ـ وكذا لابن أخيه ـ النجاة، بعد أن اعد القوم العدة لإحراقه، (قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ، وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ، وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) (5) .

ولعل من المفيد الإشارة هنا إلى رأي عالم يهودي، يعترف فيه صراحة، بأن التوراة لم تأت على السبب الصريح لمهاجرة إبراهيم أرض آبائه، وإنما يؤخذ مما جاء فيها في مواضع مختلفة، أنه فضل ذلك كي يعبد الله عملا بما أنزل عليه من الوحي، وهذا يطابق ما جاء في القرآن من أنه إنما غادر أهله وبلاده، لأنهم كانوا عبدة أصنام، وكان يعبد الله فخاصمهم وارتحل عنهم إلى حيث يبيت في مأمن منهم، وحيث تتسنى له

(1) سورة مريم: آية 41 ـ 48

(2) سورة الصافات: آية 99، وأنظر عن تفسير هذه الآيات: تفسير الطبري 23/ 75 ـ 76، تفسير القرطبي 15/ 97 ـ 98، روح المعاني 23/ 126 ـ 127

(3) انظر عن رأي التوراة في لوط: تكوين 19: 30 ـ 38، كتابنا إسرائيل ص 73 ـ 74

(4) سورة العنكبوت: آية 26

(5) سورة الأنبياء: آية 68 ـ 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت