الصفحة 875 من 1395

المتصلين بفرعون، يخبره بالأمر، ويشير عليه بالخروج من مصر، قال تعالى: (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (1) ، ومنها (رابعا) أن القرآن قد انفرد، من دون التوراة، بالإشارة إلى ذلك الجدل الذي شق واستطال، ذكّر فيه فرعون موسى عليه السلام بتربيته في القصر الملكي، وكيف أنه عاش بينهم من عمره سنين عددا، وكيف فعل فعلته تلك، يعني قتل موسى لمصري ثم فراره إلى مدين (قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا، وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) (2) .

ومنها (خامسا) أن القرآن الكريم انفرد من دون التوراة بالإشارات مرات، وفي وضع تام، إلى ألوهية الفرعون المزعومة، والتي كانت موضع جدل شديد بين النبي الكريم والملك الفرعون، بل هي الصخرة التي تحطمت عليها كل الآمال في أن يؤمن فرعون بموسى ودعوته، ويتخلى عن مزاعمه الكذوب، ويؤمن بالله رب العالمين، ولعل مما يزيد الأمر أهمية أننا نكاد لا نعرف دعوة من دعوات الأنبياء الكرام البررة، يتعرض صاحبها، كما تعرض موسى، لزعم كذوب ممن أرسل إليه، أنه إله للناس، بل إن الفرعون إنما يهدد النبي الكريم نفسه: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) ، ثم يعلن للناس عامة في مصر (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) ، وعند ما يتقدم له موسى بآية كبرى على نبوته، فما كان منه إلا أن يرفض الدعوة كلها (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (3) ، ومن عجب أن التوراة تعكس الأمر، فتجعل موسى إلها لفرعون، وهارون نبيا لموسى: «فقال الرب لموسى أنظر: أنا جعلتك إلها لفرعون، وهارون

(1) سورة القصص: آية 20.

(2) سورة الشعراء: آية 18 ـ 19.

(3) سورة الشعراء: آية 29، سورة القصص: آية 38، سورة النازعات: آية 22 ـ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت