الصفحة 915 من 1395

الزبور، قال تعالى: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (1) ، وقال تعالى: (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) (2) ، ويقول المفسرون عن هذه الآية إن الله تعالى قد وهب داود من الصوت ما لم يهبه لأحد، حتى أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه الزبور يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه، ويسبح بتسبيحه، وكذا الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» (3) .

ويقول الأستاذ سيد قطب، طيب الله ثراه كان داود عليه السلام أوابا رجاعا إلى ربه بالطاعة والعبادة والذكر والاستغفار، وقد آتاه الله من فضله مع النبوة والملك، قلبا ذاكرا، وصوتا رخيما يرجع به تراتيله التي يمجد فيها ربه، وبلغ من قوة استغراقه في الذكرى، ومن حسن حظه في الترتيل، أن تزول الحواجز بين كيانه وكيان هذا الكون، وتتصل حقيقته بحقيقة الجبال والطير في صلتها كلها ببارئها، وتمجيدها له وعبادتها، فإذا الجبال تسبح معه، وإذا الطير مجموعة عليه، تسبح معه لو ملاها ومولاه (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ، وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) ، ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ: الجبال الجامدة تسبح مع داود بالعشى والإشراق، حينما يخلو إلى ربه يرتل تراتيله في تمجيده وذكره، والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده، لقد يقف الناس مدهوشين للنبإ، إذ يخالف مألوفهم، ويخالف ما اعتادوا أن يحسوه من العزلة بين

(1) سورة ص آية: 19.

(2) سورة الأنبياء آية: 79.

(3) صحيح البخاري: 9/ 241، صحيح مسلم: 2/ 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت