الصفحة 916 من 1395

جنس الإنسان وجنس الطير، وجنس الجبال، ولكن فيم الدهش؟ وفيم العجب؟ إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات، حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارئ الوجود كله، أحيائه وأشيائه جميعا، وحين تصل صلة الإنسان بربه إلى درجة الخلوص والإشراق والصفاء، فإن تلك الحواجز تنزاح، وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم، فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة، وقد وهب الله عبده داود هذه الخاصية، وسخر الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق، وحشر عليه الطير ترجع مع ترانيمه تسبيحا لله، وكانت هذه هبة فوق الملك والسلطان، مع النبوة والاستخلاص (1) ، قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إذا سبح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلا استمعت لقراءته، وبكت لبكائه (2) .

ومنها (ثالثا) إلانة الحديد له، فكان بين يديه كالعجين أو كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار، ولا ضرب بمطرقة، وقيل لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة (3) ، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ، وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (4) ، وفي قوله تعالى (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان الله تعالى قد ألان الحديد لداود حتى كان يفتله بيديه لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة، وقال الإمام الفخر الرازي: ألان الله لداود الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير، فإنه يلين بالنار حتى يصبح كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقل يستبعد

(1) في ظلال القرآن: 5/ 3017 (بيروت 1982) .

(2) زاد المسير: 6/ 436.

(3) تفسير النسفي: 3/ 319.

(4) سورة سبأ: آية: 10 ـ 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت