الصفحة 917 من 1395

ذلك على قدرة الله، قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح، وفي سياق الآية العاشرة من سورة سبأ، التي ابتدأها الله تعالى بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا) ، ثم ذكر في آخرها (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) ، ما يشعر بأن الله تعالى قد ألان الحديد تفضلا منه وكرما، وآية على الإعجاز من الآيات التي يمنحها الله لأنبيائه، ولو أن إلانة الحديد بالنار، كما يقع للناس جميعا، لما ذكرها الله في سياق الامتنان على داود، ولما جعلها الله نعمة يختصه بها، وقد يقال إنه أول من اهتدى إلى أثر النار في إلانة الحديد، ولم يكن ذلك معروفا قبل داود، فكان هذا من نعم الله على داود أولا، ثم أصبح من سنن الطبيعة ثانيا أو بعد ذلك، ولكننا لا نذهب كما يقول الدكتور النجار، لمثل هذا المذهب ما دام فضل الله على أنبيائه بالمعجزات الخارقة أمرا مقررا لهم، وواجبا في حقهم (1) .

ومن ثم يذهب العلامة سيد قطب إلى أنه في ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر، فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين ويصبح قابلا للطرق، إنما كان والله أعلم معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة، وإن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلا من الله يذكر، ولكننا إنما نتأثر بجو السياق وظلاله، وهو جو معجزات، وهي ظلال خوارق خارقة على المألوف، ثم يقول تعالى: (أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) والسابغات الدروع، روى أنها كانت تعمل قبل داود عليه السلام صفائح، الدرع صفيحة واحدة فكانت تصلب الجسم وتثقله، فألهم الله داود أن يصنعها رقائق متداخلة متموجة لينة يسهل تشكيلها وتحريكها بحركة الجسم، وأمر بتضيق تداخل هذه الرقائق لتكون

(1) تفسير ابن كثير: 3/ 838 ـ 839، تفسير الفخر الرازي: 25/ 245، تفسير النسفي: 3/ 319 ـ 320، تفسير القرطبي: 14/ 266، محمد الطيب النجار تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية ـ الرياض 1983 ص: 234 ـ 235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت