الصفحة 98 من 1395

ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه لأن نزول القرآن بلغة العرب، لا يقتضي أن العرب كلهم يفهمونه في مفرداته وتراكيبه، وإنما كانوا يختلفون في مقدار فهمه حسب رقيهم العقلي، بل إن ألفاظ القرآن نفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها، كما لم يدع أحد أن كل فرد في كل أمة يعرف ألفاظ لغتها (1) . وليس أدلّ على ذلك، مما يروى عن أنس بن مالك، أن رجلا سأل الفاروق عمر عن قوله تعالى (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (2) ، ما الأب؟ فقال عمر: نهينا عن التكلف والتعمق»، وروي عن عمر أيضا، أنه كان على المنبر، فقرأ (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ»(3) ، ثم سأل عن معنى «التخوف» ، فقال رجل من هذيل: التخوف عندنا التنقص (4) .

وقريب من هذا، ما روي عن ابن عباس (3 ق. ه ـ 68 ه‍) أنه قال: ما كنت لأدري ما فاطر السموات والأرض، حتى أحتكم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأت حفرها (5) .

فإذا كان هذا شأن الفاروق، يلتبس عليه معنى «التخوف» إلى أن يفسره له شيخ من هذيل، لأن التخوف من لغة هذيل، وإذا كان هذا شأن ابن عباس ـ وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن، ومن دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، ومن كان عنده أدق الفهم لإشارات القرآن ودقائق معانيه (6) ـ لا يدري معنى فاطر السموات

(1) احمد امين: فجر الاسلام ص 196

(2) سورة عيسى: آية 31

(3) سورة النحل: آية 47

(4) الموافقات 2/ 57 ـ 58، فجر الاسلام ص 196

(5) مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، تفسير الطبري 14/ 77

(6) الاتقان 2/ 179، 187، تفسير القرطبي 1/ 33، فتاوى ابن تيمية 4/ 93، 94، 13/ 365، 17/ 402، تفسير الطبري 1/ 90، مقدمتان في علوم القرآن ص 57 ـ 58، 264

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت