فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 1078

أحدها: التوقّع، وذلك مع المضارع واضح كقولك: «قد يقدم الغائب اليوم» إذا كنت تتوقّع قدومه.

وأما مع الماضي فأثبته الأكثرون. قال الخليل: يقال «قد فعل» لقوم ينتظرون الخبر، ومنه قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» ؛ لأن الجماعة منتظرون لذلك. وقال بعضهم: تقول: «قد ركب الأمير» لمن ينتظر ركوبه، وفي التنزيل: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ) [المجادلة: 1] لأنّها كانت تتوقّع إجابة الله سبحانه وتعالى لدعائها.

وأنكر بعضهم كونها للتوقّع مع الماضي، وقال: التوقّع انتظار الوقوع، والماضي قد وقع.

وقد تبيّن بما ذكرنا أن مراد المثبتين لذلك أنها تدلّ على أن الفعل الماضي كان قبل الإخبار به متوقّعا، لا أنه الآن متوقّع. والذي يظهر لي قول ثالث، وهو أنها قد لا تفيد التوقّع أصلا، أما في المضارع فلأن قولك: «يقدم الغائب» يفيد التوقّع بدون «قد» ؛ إذ الظاهر من حال المخبر عن مستقبل أنه متوقّع له، وأما في الماضي فلأنه لو صحّ إثبات التوقّع لها، بمعنى أنّها تدخل على ما هو متوقّع، لصحّ أن يقال في «لا رجل» بالفتح إن «لا» للاستفهام لا تدخل إلا جوابا لمن قال: هل من رجل، ونحوه، فالذي بعد «لا» مستفهم عنه من جهة شخص آخر، كما أن الماضي بعد «قد» متوقّع كذلك. وعبارة ابن مالك في ذلك حسنة، فإنه قال: إنها تدخل على ماض متوقّع، ولم يقل إنها تفيد التوقّع، ولم يتعرّض للتوقع في الداخلة على المضارع ألبتة، وهذا هو الحقّ.

الثاني: تقريب الماضي من الحال، تقول: «قام زيد» فيحتمل الماضي القريب والماضي البعيد، فإن قلت «قد قام» اختصّ بالقريب.

وانبنى على إفادتها أحكام:

أحدها: أنها لا تدخل على «ليس» و «عسى» و «نعم» و «بئس» لأنهن للحال؛ فلا معنى لذكر ما يقرّب ما هو حاصل؛ ولذلك علّة أخرى، وهي أن صيغهنّ لا يفدن الزمان، ولا يتصرّفن، فأشبهن الاسم، وأما قول عديّ [من الكامل] :

74 ـ لولا الحياء، وأنّ رأسي قد عسا ... فيه المشيب، لزرت أمّ القاسم (1)

ف «عسى» هنا بمعنى «اشتدّ» ، وليست «عسى» الجامدة

(1) البيت من البحر الكامل، وهو لعدي بن الرقاع في الأغاني 9/ 354، وبلا نسبة في كتاب اللامات ص 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت