فهرس الكتاب
وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا: «كذا درهما» ، ولا «كذا وكذا درهما» وذكر ابن مالك أنه مسموع ولكنّه قليل.
(كلّا) مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه ولا النافية، قال وإنما شدّدت لامها لتقوية المعنى، ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة.
وهي عند سيبويه والخليل والمبرد والزجاج وأكثر البصريين حرف معناه الرّدع والزّجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدا الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت «كلّا» في سورةفاحكم بأنها مكّية، لأن فيها معنى التّهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتوّ كان بها، وفيه نظر؛ لأن لزوم المكيّة إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتوّ سابق، ثم لا يظهر معنى الزّجر في «كلّا» المسبوقة بنحو: (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) (8) [الانفطار: 8] ، (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (6) [المطففون: 6] ، (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (19) [القيامة: 19] ، وقولهم: المعنى: انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وبالبعث، وعن العجلة بالقرآن، تعسّف، إذ لم يتقدّم في الأوّلين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين «كلّا» وذكر العجلة، وأيضا فإن أوّل ما نزل خمس آيات من أول سورةالعلق ثم نزل: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى) (6) [العلق: 6] ، فجاءت في افتتاح الكلام، والوارد منها في التنزيل ثلاثة وثلاثون موضعا كلّها في النصف الأخير.
ورأى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما أنّ معنى الرّدع والزّجر ليس مستمرّا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيا يصحّ عليه أن يوقف دونها ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المعنى على ثلاثة أقوال، أحدها للكسائي ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى «حقّا» ؛ والثاني لأبي حاتم ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى «ألا» الاستفتاحيّة؛ والثالث للنّضر بن شميل والفرّاء ومن وافقهما، قالوا: تكون حرف جواب بمنزلة «إي» ، و «نعم» ، وحملوا عليه (كَلَّا وَالْقَمَرِ) (32) [المدثر: 32] ، فقالوا: معناه: إي والقمر.
وقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما، لأنه أكثر اطّرادا؛ فإنّ قول النّضر لا يتأتّى في آيتي المؤمنين والشّعراء على ما سيأتي؛ وقول الكسائي لا يتأتّى في نحو: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ) [المطففون: 18] ، (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ) [المطففون: 7] ، (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (15) [المطففون: 15] ، لأن «أنّ» تكسر بعد «ألا» الاستفتاحيّة، ولا تكسر بعد