فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 1078

والثالث: التّحقيق، ذكره الكوفيّون والزجّاجي، وأنشدوا عليه [من الوافر] :

104 ـ فأصبح بطن مكّة مقشعرّا ... كأنّ الأرض ليس بها هشام (1)

أي: لأنّ الأرض؛ إذ لا يكون تشبيها، لأنه ليس في الأرض حقيقة.

فإن قيل: فإن كانت للتحقيق فمن أين جاء معنى التعليل؟

قلت: من جهة أن الكلام معها في المعنى جواب عن سؤال عن العلّة مقدّر، ومثله: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: 1] .

وأجيب بأمور، أحدها: أن المراد بالظرفيّة الكون في بطنها، لا الكون على ظهرها، فالمعنى أنه كان ينبغي أن لا يقشعرّ بطن مكة مع دفن هشام فيه لأنه له كالغيث.

الثاني: أنه يحتمل أن هشاما قد خلّف من يسدّ مسدّه، فكأنه لم يمت.

الثالث: أن الكاف للتعليل، و «أنّ» للتوكيد، فهما كلمتان لا كلمة، ونظيره: (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) [القصص: 82] ، أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين.

والرابع: التقريب، قاله الكوفيون، وحملوا عليه «كأنك بالشتاء مقبل، وكأنك بالفرج آت، وكأنك بالدّنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل» وقول الحريري [من الهزج] :

105 ـ كأنّي بك تنحطّ ... [إلى اللحد وتنغط] (2)

وقد اختلف في إعراب ذلك؛ فقال الفارسي: الكاف حرف خطاب، والباء زائدة في اسم «كأنّ» . وقال بعضهم: الكاف اسم «كأنّ» ، وفي المثال الأول حذف مضاف، أي كأن زمانك مقبل بالشّتاء، ولا حذف في «كأنك بالدنيا لم تكن» بل الجملة الفعليّة خبر، والباء بمعنى «في» ، وهي متعلّقة بـ «تكن» ، وفاعل «تكن» ضمير المخاطب. وقال ابن عصفور: الكاف والياء في «كأنك» و «كأنّي» زائدتان كافّتان لـ «كأنّ» عن العمل كما تكفّها «ما» ، والباء زائدة في المبتدأ. وقال ابن عمرون: المتّصل بـ «كأنّ» اسمها، والظرف خبرها، والجملة بعده حال، بدليل قولهم: «كأنّك بالشّمس وقد طلعت» بالواو، ورواية

(1) البيت من البحر الوافر، وهو للحارث بن خالد في ديوانه ص 93، والاشتقاق ص 101، وبلا نسبة في الدرر 2/ 163، وفي الجنى الداني ص 571، وشرح شواهد المغني 2/ 515، ولسان العرب 12/ 461 مادة (قثم) .

(2) البيت من البحر الهزج، انظر: خلاصته الأثر 4/ 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت