فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 392

حرب تردّد بينهم بتشاجر ... قد كفرت آباؤها أبناؤها (1)

فحلماؤها سفهاؤها: مبتدأ، وخبر. وفي (استجلهت) ضمير يعود إلى (أميمة) . وأما قوله: كفّرت آباؤها أبناؤها (ف) كذلك. أي: آباء الحرب أبناؤها، أي: شيوخها بمنزلة شبانها، لم تؤثر فيهم الحرب، بل هم على حالتهم، إذ كانوا شبانا. فليس قوله (حلماؤها) : بدلا من (أميمة) على تقدير: هيهات ما سفهت أميمة، حلماؤها، فاستجهلت سفهاؤها. وكذلك ليس قوله: آباؤها: مرتفعة بتشاجر، لأن الحمل على الظاهر أولى من حمله على التشاجر، لأن التشاجر مصدر، ولا يفصل بينه وبين ما عمل فيه، لأنه من صلته.

[وقال الشاعر] :

60 ـ رحلت سميّة غدوة، أجمالها ... غضبى عليك، فما تقول بدالها ...

هذا النّهار بدا لها من همّها ... ما بالها بالليل زال زوالها (2)

فإن قوله، النهار: ظرف. وكأنه قال: بدا لها من همها في النهار، ما بالها بالليل، يأتيني خيالها زال الله زوالها كما بدا لها في النهار. أي: لا أتانا بالليل خيالها، كما بدا لها في النهار، عن إتيانها إيانا. فقدم، وأخر. وهذا أكثر من أن أحصيه لك. فالأصل: تقديم الفعل، ثم البداية بالمرفوع، ثم المنصوب. فالرفع أول، وما ذكرت مجاز، فثبت أنه وجب للمبتدأ الرفع لما ذكرناه. [فإن قلت] : ما أنكرتم أن يكون المبتدأ [26 / ب] مرفوعا بغير ما ذكرتم، ولكن بما ذكره: الكسائي، والفراء، وهو: أن المبتدأ يرتفع بالخبر، والخبر يرتفع بالمبتدأ (3) ، فهما يترافعان. فإذا قلنا: زيد قام، ارتفع زيد بما يعود إليه من (قام) ، وارتفع (قام) ، لأنه مبني على زيد.

[قلت] : إن هذا قول ساقط، وذلك، لأنك، إذا قلت: زيد قائم، وزعمت أنهما يترافعان، فلم كان يرتفع في قولك: زيد أبوه قائم. والعائد إليه من الجملة، ليس بمرفوع. فعلى هذا، الكلام يؤول إلى الفساد، لأن الشيء إذا كان مربوطا بغيره، وغيره مربوط به كان من الدور (4) ، فيكون ساقطا.

[فإن قلت] : إنكم تقولون في قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (5) ، إن قوله: (أَيًّا ما) منصوب ب (ادْعُوا) و (تَدْعُوا) مجزوم بقوله (أَيًّا ما) ، فربطتم أحد الشيئين بصاحبه، فلم أنكرتم منا ذلك في هذه المسألة؟!

(1) البيتان من الكامل، عزاهما ابن منظور، للفرزدق. اللسان (ك ف ر) 5: 148، وليسا في ديوانه.

وبلا نسبة في: مجالس ثعلب 57، وكشف المشكل 2: 99، والمقرب 1: 130.

(2) البيتان من الكامل، للأعشى، في: ديوانه 27، والعقد 5: 307.

(3) ثمار الصناعة 82، والإنصاف (مسألة 5) 1: 44، 49.

(4) الدور، عند الحكماء، والمتكلمين، والصوفية: توقف كل من الشيئين على الآخر. وبينوه بقولهم: إذا توقف (أ) على (ب) و (ب) على (أ) ، كان (أ) مثلا موقوفا على نفسه، وهذا يستلزم التسلسل، وهو محال. ينظر: كشاف اصطلاحات الفنون 467، 468.

(5) 17: سورة الإسراء 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت