فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 392

[قلت] : إن أبا إسحاق (1) زعم أن قوله: (أيّاما) منصوب بمضمر. أي: أيا تريد، أو غير ذلك. وكان هذا يقويه وقف يعقوب (2) ، حين وقف، فقرأ: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرّحمن أيّا) (3) ثم يبتدئ، فيقول: (ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) . أي: أيا يكون، فينصب (أيا) بمضمر. وهذا الذي تجنّبه لازم له في (ما) لأن قوله (ما تدعوا) ، ما: منصوب بتدعوا، وتدعوا مجزوم به. ويكون (ما) على قراءته شرطا. قال: وكنا قديما على هذا، فإذا هو يذكر هذه المسألة، فوقع لأبي إسحاق ما قالوا في باب: هند، ودار، وإن الحركة في (دار) لا اعتداد به، ف (دار) بخلاف قدم. وقال أبو علي في قوله: زيد لقيته، وعمرا كلمته، إن اختياره النصب هو الوجه.

ولا يلزمه قول الزيادي (4) : إنك لو قلت: زيد لقيته، وعمرا كلمته، كان محالا، لأن الإعراب لم يظهر في لقيته، فلا اعتداد به، فكذا، لا اعتداد بإعراب (ما) حيث لم يظهر فيه الإعراب، فافترق الحال بينه، وبين (أيّ) . وأجازوا: أيا تضرب يأتك. فنصبوا (أيا) بالفعل. ولو قيل: أيّهم يأت تضرب، لم يكن في (أي) إلا الرفع. فلم يجيزوا نصب (أي) بالجواب، لأن نصبه يوجب تقديم الجواب [27 / أ] عليه. وتقديم الجواب، يوجب رفع الجواب. وأجازوا نصبه بالشرط، دون الجواب. وهذا المعنى يلزم أيضا في الشرط، إلا أنه ربما يقال: إن (أيّا) مع الشرط كالشيء الواحد، لا يقدر انفصال كل واحد منهما عن صاحبه. والجواب قد ينفصل، فيضمر لدلالة ما تقدم من الكلام عليه، نحو: أضرب إن ضربت. وأنت ظالم إن فعلت. فأما إلزام الكسائي ما ألزم، فليس بلازم، لأن قولك: أيّهم تضرب، وإن كان منصوبا ب (تضرب) وجزم (تضرب) به، في المعنى تدافع بهذا اللفظ سائغ. ألا ترى أنه جاء: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) (5) و (لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها) (6) فمن حيث النظر إلى كون الفعل، والفاعل، فالفاعل مقدم على المفعول، ومن حيث النظر إلى الكناية، فلا بد من تقديم المكنيّ عنه. فكذا هاهنا: أيّهم تضرب، من حيث النصب، هو في نية التأخير، ومن حيث الجزم، هو في نية التقديم. فأما: زيد قائم، فهو يربط أحدهما بصاحبه، فيرتفع، ولا يثبت. [فإن قلت] : فإن الذي ذكرناه أولى مما ذكرتموه، لأنكم تدّعون معنى يرفع المبتدأ وذاك المعنى يزول، فلا يصلح أن يكون عاملا، لأن العامل يقتضي المعمول. كقولنا: ذهب زيد. ذهب

(1) معاني القرآن وإعرابه ـ للزجاج 2: 264، وفيه: (فأعلمهم الله أن دعاءهم الرحمن، ودعاءهم الله يرجعان إلى شيء واحد، فقال:(أيا ما تدعوا) المعنى: أي أسماء الله تدعوا (فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) .

(2) هو: أبو محمد، يعقوب بن إسحاق بن زيد، الحضرمي (ت 205 ه‍) . أخذ القراءة عن: سلام الطويل، ومهدي بن ميمون، وأبي الأشهب العطاردي، وآخرين. روى القراءة عنه: زيد ابن أخيه (أحمد) ، وكعب بن إبراهيم، وعمر السراج، وآخرون، كان عالما بالعربية، ووجوهها، والقرآن، واختلافه. ينظر: غاية النهاية 2: 386 ـ 389، والبلغة 287.

(3) برواية: رويس، وكذلك وقف: حمزة، والكسائي. التيسير 61، وإتحاف الفضلاء 287.

(4) هو: أبو إسحاق، إبراهيم بن سفيان، الزيادي (ت 249 ه‍) . أخذ عن: الأصمعي، وغيره، وأخذ عنه: أبو العباس، المبرد، وغيره. له: (كتاب النقط والشكل) ، و (كتاب تنميق الأخبار) . ينظر: أخبار النحويين البصريين 67، وطبقات النحويين واللغويين 99، ومراتب النحويين 75.

(5) 2: سورة البقرة 124.

(6) 6: سورة الأنعام 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت