فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 392

مفتوحا، فاطلب العلة.

[قلت] : فالضم: قبل، وبعد، وحيث. [فإن قلت] : لم بني: حيث، وقبل، وبعد؟ ولم حرك؟ ولم اختير الضم؟

[الجواب] : أن هذه الكلمات الثلاث أسماء، وحقها الإعراب، لكنها [6 / أ] أشبهت الحروف، فوجب لها البناء. وذلك، لأن (قبل) و (بعد) أصلها الإضافة. تقول: جئت من قبل كل شيء، ومن بعده، وقبل كل شيء وبعده. فإذا لم يكونا مضافين، وكان ما أضيفا إليه منويا فيهما، ولم يكن في اللفظ، لم يكونا تامين، إذ هما كأنهما بعضا الاسم، وبعض الاسم، لا يستحق الإعراب. ألا ترى أن (الزاي) من (زيد) لا يستحق الإعراب، فلهذا وجب ل (قبل) و (بعد) البناء.

وإنما بنيا على الحركة، دون السكون، لأنهما لو بنيا على السكون التقى ساكنان، وهم مما لا يجمعون بينهما، فوجب البناء على الحركة. ولم تكن تلك الحركة الكسر، ولا النصب، لأن الجر والنصب يدخلانهما، وهما معربان. تقول: جئت من قبلك، وقبلك، ومن بعدك، وبعدك. ولم يكن الضم يدخله معربا، فلما جاء إلى البناء، بني على حركة لم تكن لهما حالة الإعراب.

وأما (حيث) فمبني أيضا، وهو اسم، وحقه الإعراب، لكن البناء، إنما جاء، لأنه يشبه: (قبل) و (بعد) ، وذلك لأن (حيث) يجب أن يكون مضافا، فلما لم يكن مضافا، وكان مرادا فيه، كان بعض الاسم، فاستحق البناء. وما يقع بعد (حيث) من الجمل، فإن (حيث) مضاف إليه، ولكن الإضافة إلى الجمل كلا إضافة، لأن هذه الإضافة لا تفيد تخصيصا، ولا إيضاحا. ولا يجوز بتة: إضافة (حيث) إلى المفرد، لأن الإضافة إلى المفرد، توجب إعرابه، و (حيث) مبني غير معرب. قال الله تعالى: (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) (1) . فلم يعمل فيه (من) وقد جاء مضافا إلى المفرد، وهو معرب، وذلك في أشعار الهذليين، قال الشاعر:

4 ـ وإنّك لو أبصرت مصرع خالد ... بحيث السّتار بين أظلم فالحزم (2)

في من روى (الستار) بالجر.

وقول الآخر:

5 ـ أما ترى حيث سهيل طالعا (3)

ولم يبن (حيث) (4) على السكون، لالتقاء الساكنين، وبني على الحركة والحركة الضم في أكثر اللغات، تشبيها ب (قبل) و (بعد) . وقد جاء فيه الفتح، والكسر جميعا. فالفتح تشبيها ب (أين)

(1) 7: سورة الأعراف 27.

(2) البيت من الطويل، لأبي خراش الهذلي، وجاءت روايته في: ديوان الهذليين 2: 154، والخزانة 5: 76:

(بجنب الستار) ، أما الستار، وأظلم، والحزم فهي: أسماء جبال، أو أمكنة في بلاد العرب.

(3) من الرجز. لم يعرف قائله، وبعده:

نجما يضيء كالشّهاب ساطعا.

وهو في الخزانة 7: 3، 11.

(4) الكتاب 3: 292، والمغني: 1: 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت