فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 746

وأما المعادن: فعندهم أغلب المعادن المعروفة، ولكنهم لقلة مهارتهم في استخراجها وتصفيتها يحتاجون إلى جلبها من خارج.

وهكذا نباتات هاته المملكة فيها أغلب نبات المعمور لاتساعها واختلاف أقاليمها، وكذلك الحيوانات والهواء، وقاعدة المملكة هي مدينة باكين التي هي من أعظم مدن العالم، سكانها أزيد من ثلاثة ملايين ولها سور يحيط بها، وأغلب أبنيتهم طبقة واحدة مقسمة إلى عدة أقسام إلا قصور الملوك ففيها طبقات، والأهالي يتزوّجون امرأة واحدة شرعية ويتخذون غيرها كالسراري على أنهنّ خذيمات لها، ولهم شارات في التفاخر والدلالة على البيتوتية والغنا منها أن الأغنياء والأكابر يخلدون إلى الراحة حتى لا يكادون يتحرّكون وتغلب هاته الصفة في نسائهم، فكان من عجائب عاداتهم فيهنّ أن بنت الأعيان إذا ولدت يجعلون لها حذاء من حديد أو ما أشبهه من الأشياء الصلبة، ويلبسونه لها في سن المهد وتترك كذلك إلى انتهاء شبابها فتكون أقدامها صغيرة جدّا بحيث لا تستطيع المشي، وكذلك كفوف يديها حتى لا تقدر أن تشتغل ولا ترفع شيئا، من الإعتناء بتسمينها فتصير ذاتها ضخمة وكفها وقدماها في غاية الصغر، دلالة على أنها لا تحتاج لعمل شيء بنفسها وكل الضروريات وغيرها تفعلها لها الخوادم، فيصنعون مساطب لحملها على الأعناق عندما تريد المشي لأي جهة كانت وهكذا جميع الحركات، ويستكثرون من الخدم على قدر البسطة في المال والجاه وعادة الحمل على الأعناق عامة حتى في الرجال الكبراء والأغنياء، وهاته الخلة جارية أيضا في أهالي الهند.

وأما حكم هاته المملكة المتسعة: فهو يرجع إلى عامل واحد ذي حكم استبدادي مطلق وله وزراء يديرون ويجرون أمر المملكة على إرادته، ثم في الجهات أمراء مستبدون في التصرف في إماراتهم تحت أوامر السلطان العام الذي يقلد ويعزل منهم حسب إرادته، ومع ذلك الإستبداد فإنهم لتحفظهم على العوائد القديمة تجد كأن أحكامهم قانونية لإجرائهم الحوادث شبه بعضها، ولا يتجاسرون على خرق العادات القديمة في جميع تصرفاتهم إلا في أمر أكيد عظيم وقلما يقع، ولهم اعتقادات في ملكهم ربما أدّتهم إلى اعتقاد ألوهيته، ولهم أيضا دواوين يضبطون بها إدارات التصرف والأموال وأرزاق العساكر، فمن نظر إلى مجموع تصرفات المملكة يجدها مشابهة أعظم مشابهة إلى الدول القانونية، وكان ذلك هو سبب قدم هذه الدولة وعدم تلاشيها، إلا أن السلطان عندهم وإن كان له أن يفعل ما يشاء، إلا أنه لا يفعل شيئا إلا بمشاورة رجال دولته وأرباب مجالسه في جميع الأمور، وكل من أمرائه لا يتصرف إلا بمشاورة رجال مجالسهم، ولا يتوظف أحد في خطة أيا كانت إلا أن يكون من أصحاب العلوم والمعارف الذين هم وجهاء الأمّة، كما يشترط في كل موظف أن يكون متأهلا وجديرا بالخطة التي يتقلدها، ومن عاداتهم الشبيهة بالقانونية أن المتوظف إذا ظلم أحد الرعايا ولو في أقل الأشياء يعاقب أشد العقاب، بل إنهم مطلوبون كل على حسب خطته بما يطرأ على الأهالي من المصائب السماوية التي يكون في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت