فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 154

ومع أنه كان يعارض أهل بعض المذاهب الأخرى. ولا سيّما الشيعة، فانه حين اضطهده خادم المقتفي لجأ إلى الله تعالى، واكتفى بأن دعا عليه. وكان يشيد في كتبه بالأمانة والصدق والعفة كما نرى في كتابه «ذمّ الهوى» ، وفي كتابه «صفة الصفوة» . وهو يحب الحقّ في المناظرة، فتراه يقول: «ومن ذلك أحدهم يتبين له الصواب مع خصمه، ولا يرجع، ويضيق صدره كيف ظهر الحق مع خصمه، وربما اجتهد في رده مع علمه أنه الحق، وهذا من أقبح القبائح، لأن المناظرة إنما وضعت لبيان الحق» (100) .

ويظهر من مجالسه ووعظه، وتهافت الناس على حضورها وسماعه، وتوبة الكثيرين على يديه، أنه كان ديّنا حقّا ومخلصا في عقيدته. وقد شهد بذلك الرحالة ابن جبير كما رأينا حين حضر مجالسه، وأثنى عليه في كتاب رحلته، وذكر التائبين على يديه، وكيف كان يملأ الناس انابة وندامة.

ومع أن سبطه ذكر عنه أنه ما مازح أحدا قطّ، فاننا نرى في اخباره أنه كان على رزانته يحب المزاح اللطيف والمفاكهة، بحيث قال عنه ابن العماد الحنبلي (وقد أكثر النقل عنه) : «وله مجون لطيف ومداعبات حلوة» (101) . وقال عنه ابن الفرات: «وكان له على المنبر نكت لطاف، ومعاني [كذا] طراف، على طريقة البغداديين، لا يكاد يفهمها غيرهم. كان يتخالع فيها ويتمازح» (102) . منها واحدة تدل على نباهته وسرعة خاطره، فقد زعموا «أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي (رضي الله عنهما) ، فرضي الكل بما يجيب الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي، فأقاموا شخصا يسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس

(100) ابن الجوزي (تلبيس) 120.

(101) ابن العماد الحنبلي 4: 330.

(102) ابن الفرات المجلد 4 ج 2 ص 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت