فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 407

وعمل عجائب وطلسمات، وعمل في منف مرآة يرى فيها الأوقات التي تخصب فيها البلاد وتجدب. وعمل خلف الجبل المعظم صنما يقال له: صنم الحيلة فمن أراد شيئا جاء إليه وبخره فتيسر له مراده، وبنى غالب منف والإسكندرية فمحيت بتقادم الزمان وأبادهم الحدثان.

وليس لأحد أن ينكر كثرة بنيانه، ولا ما نصبوا من أعلامهم، ومنائرهم، فقد كان للقوم بطش وشدة، ومعرفة وحكمة لم تكن لغيرهم. وأن آثارهم باقية إلى الآن بينة مثل أهرام الجيزة ودهشور وميدوم والبرابي والأعلام، والجبال المنحوتة المنقورة التي ادخروا فيها كنزوهم وأموالهم التي لا يصل أحد إليها بحيلة.

وكذلك أبخرتهم، وأدويتهم، وطلسماتهم، وجميع علومهم دفنت معهم.

وكذلك ما نقشوه على البرابي ببلاد الصعيد فإنه لو تعاطى جميع ملوك الأرض أن يبنوا هرما، ما تهيأ لهم ذلك، أو ينقشوا بريا واحدا لطال بهم الأمد.

ويحكى عن حكمهم حكاية عجيبة:

من هذا القبيل: أن جماعة في ضياع الغرب عنفهم عاملهم، فخرجوا إلى صحراء الغرب، وحملوا معهم زادا كثيرا، فاجتازوا على سفح جبل، فرأوا عيرا أهلية، قد خرج من بعض شعابه، فتبعه، ففر منهم، فأشرفوا على مساكن وزروع وأشجار وأنهار / وجماعة قاطنين شاهكين يتناكحون ويتناسلون، ورزقهم واسع وعيشهم رغيد لا خراج ولا ظلم عليهم، ولا يروا ضياع الغرب قط، ولا آوى عندهم غريب، وهم في راحة من الناس وفي نعمة من الله لا يظلمون ولا يظلمون. فلما رأوا أولئك تعجبوا من وصولهم إليهم فدنوا منهم، وسلموا عليهم، واستأنسوا بهم وسألوهم أن ينتقلوا إليهم، ويسكنوا عندهم، فأجابوا إلى ذلك. وخرجوا من عندهم ليرجعوا إليهم بأهليهم ومواشيهم، فأقاموا مدة يطلبون الطريق فلم يعرفوه ولا دلهم أحد عليه، فأسقوا على ما فاتهم.

وقوم آخرون ضلوا الطريق بصحراء الغرب فوقفوا على مدينة عامرة كثيرة الناس، والمواشي، والمياه، والزروع، والثمار، والفواكه، والأشجار فخافوا. ولما رآهم أهل البلد أكرمهم أهلها وضافوهم، وعند المبيت أدخلوهم مكانا، وأحضروا لهم شرابا، فأخذوا مضاجعهم فلما أصبحوا وجدوا أنفسهم في مدينة خراب، وهي كبيرة لكنها خالية، فخرجوا منها هاربين مستوحشين خائفين فعند المساء أشرفوا على مدينة أكبر من الأولى وأعظم وأعمر وأكثر أهلا، ودوابا وغروسا وبساتين وأنعاما وغير ذلك. ففرحوا بذلك وزالت وحشتهم، فلما رأوهم استأنسوا بهم، وضافوهم، ثم سألوهم عن أمرهم وكيفية الوصول إليهم، فأخبروهم بالذي جرى لهم في المدينة الأولى، فتعجبوا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت