فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 119

حفص الصيرفيّ قال: حدّثنا أبو عاصم (1) قال: دخلنا على الخليل بن أحمد قبل وفاته بأيام فقال: والله ما فعلت قطّ فعلا أخاف على نفسي منه ـ وكان لي فضل فكر ـ صرفته إلى جهة ووددت أني كنت صرفته إلى غيرها، وما علمت أني كذبت متعمّدا قط، وأرجو أن يغفر الله لي التأوّل.

قال أبو الطيّب اللّغويّ: وأبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها، فمن ذلك تأليفه كلام العرب على الحروف في الكتاب المسمّى بكتاب «العين» فإنه هو الذي رتّب أبوابه، وتوفّي من قبل أن يحشوه.

أخبرنا محمد بن يحيى قال: سمعت أحمد بن يحيى ثعلبا يقول: إنما وقع الغلط في «كتاب العين» لأن الخليل رسمه ولم يحشه، ولو كان حشاه ما بقّى فيه شيئا، لأن الخليل رجل لم ير مثله.

قال: وقد حشا الكتاب أيضا قوم علماء، إلا أنهم لم يؤخذ منهم رواية، وإنّما وجد بنقل الورّاقين، فاختلّ الكتاب لهذه الجهة.

أخبرنا محمد بن عبد الواحد الزاهد قال: حدّثني فتىّ قدم علينا من خراسان ـ وكان يقرأ عليّ كتاب «العين» ـ قال: أخبرني أبي عن إسحاق بن راهويه قال: كان الليث (2) صاحب الخليل بن أحمد رجلا صالحا، وكان الخليل عمل من كتاب «العين» باب العين وحده، فأحبّ الليث أن تنفق سوق الخليل، فصنّف باقي الكتاب، وسمّى نفسه الخليل.

وقال لي مرة أخرى: فسمى لسانه «الخليل» من حبّه للخليل بن أحمد، فهو إذا قال في الكتاب: «قال الخليل بن أحمد» فهو الخليل، وإذا قال: «وقال الخليل» ، مطلقا فهو يحكي عن نفسه، فكلّ ما كان في الكتاب من خلل فإنه منه لا من الخليل بن أحمد.

وممّا أبدع فيه الخليل اختراعه العروض التي حظرت (3) على أوزان العرب، وألحقت المفحمين بالمطبوعين.

وبلغنا عن الخليل أنه تعلّق بأستار الكعبة، وقال: اللهمّ ارزقني علما لم

(1) هو أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري؛ من شيوخ المحدثين وحفاظهم: توفي سنة 212. (تذكرة الحفاظ 1/ 334) .

(2) هو الليث بن نصر بن سيار الخراساني. قال ابن المعتز: «كان من أكتب الناس في زمانه. بارعا في الأدب، بصيرا بالشعر والغريب والنحو؛ وكان كاتبا للبرامكة» . (بغية الوعاة 2/ 27) .

(3) حظرت، أي قصرت، والعروض: ميزان الشعر وهي مؤنثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت